ناظم ناصرية

ناظم انسان بسيط يعيش في هذا الكوكب المترامي .. لم يكتشف الذرة ولم يحصل على جائزة نوبل في اي مجال من مجالات الحياة .. انما هو مواطن عراقي يعيش على هامش الحياة بسبب الواقع البائس الذي يحياه ، فهو يسكن في بيت متواضع جدرانه من البلوك وسقوفه من مادة الخشب والبردي.
لايكاد يمتلك قوت يومه اذ ينتظر شهرا كاملا او اكثر لكي يأتيه الدور في نقل حمولة ما من الموانئ الجنوبية عبر الشاحنة التي يقودها بصفته سائق لها .. وعلى الرغم من شظف العيش الذي يرزح ناظم تحت وطأته الا انه لم يفقد انسانيته ويتحول الى انسان سلبي في المجتمع انما على العكس بقيت روحه تمور حبا للناس والحياة.
فشظف العيش هذا لم يمنعه من ان يلبي نداء اخته العراقية بنت الفلوجة التي تقطعت بها السبل بعد ان تخلى عنها الجميع ، تلك هي ام خطاب التي نزحت من الفلوجة بسبب ارهاب داعش فاصطدمت بجسر بزيبز ، فعبوره كان يتطلب وجود كفيل من الجانب الاخر له لكي يصل النازحون الى بر الامان .. كانت ام خطاب تشاهد النازحين وهم يعبرون بزيبز بعد ان يأتيهم كفلاؤهم ، اما هي فلم يكن لها إلا التذرع بالصبر الذي لم تعد تطقه بسبب حالة ابنها الصغير خطاب وما يعانيه من مرض ما قد يعرضه للخطر ..
كانت تستعرض الاسماء التي كان زوجها قد احتفظ بها في هاتفه وكانت كلما رنت على احدهم جاءها الجواب بالاعتذار .. كانت الساعات تمر ثقيلة كلمى مع تدهور صحة ابنها خطاب .. حتى وصلت الى احد الاسماء الموجودة في الهاتف وهو (ناظم ناصرية) هكذا كان مكتوبا ، وهنا راودها احساس انها لن تخيب هذه المرة .. المشكلة ان رصيدها في الهاتف كان قد نفد وليس بإمكانها شراء رصيد جديد اذ لم تكن تحمل شيئا من المال ، فاستعانت بأحدهم لكي تتصل بناظم ناصرية معتقدة ان الناصرية هي احدى مناطق بغداد ! .. وحين تحدثت مع ناظم وأخبرته بحالها قال لها (ابشري) .. وبعد ان اغلق الهاتف وجد نفسه في حيرة من امره ، فهو لا يمتلك المبلغ الذي يكفيه للوصول الى بزيبز ، كما انه ليس لديه رصيد في هاتفه لكي يتواصل مع ام خطاب .. اذن مالعمل ؟ ..
عليه ان يتصرف .. طرق باب احد معارفه ليقرض منه 30 الف دينار لا يمتلك غيرها ، اشترى ببعض هذا المبلغ رصيدا لهاتفه وآخر ارسله إلى ام خطاب وما تبقى عنده وضعه في جيبه واتجه من مدينته الشطرة الى الناصرية ومن الناصرية وبعد ان اقترض 200 الف دينار من صديق له باع سيارته قبل ايام ، انطلق في رحلته التاريخية الى حيث تنتظره بنت الفلوجة عند مشارف جسر بزيبز ..
وبعد ان اكمل اجراءات الكفالة اصطحبها معه الى مدينة الشطرة لكي تنعم بالأمان في بيته المتواضع مع عائلته الطيبة فيما تولى ابناء الشطرة مهمة رحلة العلاج لخطاب الصغير الذي وجد هو الاخر اهتماما استثنائيا من الفرق الطبية في مستشفى الشطرة .. هذه المدينة الفقيرة ماديا الغنية بطيبة اهلها شهدت رسم اجمل لوحة عراقية قل نظيرها في زمن ألبسته العاديات ثوبا اسودا .. لوحة ربما لم يلتفت إلى جمالها سوى القليلين ومنهم الوزير سلمان الجميلي الذي كرم ابن الشطرة لموقفه الانساني النبيل ..
ومن المؤكد ان العراق يزخر بالكثير من المواقف الانسانية التي لقنت اولئك الساعين الى زرع بذور الفتنة والبغضاء بين ابناء الشعب العراقي درسا في المعنى الحقيقي للحياة والوطنية الصادقة .. طوبى لابن الشطرة .. وشكرا لمن يلتفت لمثل هذه المواقف العراقية ، فهي سلاحنا الامضى في القضاء على داعش وفكره التدميري .
عبد الزهرة محمد الهنداوي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة