الارهاب العائلي

سلام مكي
كاتب عراقي
توالت حوادث القتل داخل اسر خليجية مؤخراً، بسبب تأثر الابناء بالفكر الارهابي المتطرف الذي يقنع من يحمله بأن كل من حوله هم كفار يستحقون القتل.
آخر تلك الحوادث هو اقدام شابين على قتل امهما وجرح الاب واحد افراد الأسرة بعد ان علموا انهم لا يحملون الفكر نفسه الذي يحملانه ولا يمارسون الطقوس نفسها، فقاما بقتل وجرح عائلتيهما.
وغيره الكثير من الحوادث التي لم يتحدث عنها الاعلام. آخر الاخبار تقول ان رجلا كويتياً اتصل بالسلطات طالباً منها اعتقاله لأنه يخشى ان يرتكب جريمة بحق افراد اسرته. السلطات اعتقلت الرجل، وحققت معه بشأن كيفية تأثره بالفكر المتطرف! الارهاب اذن: تحول من ارهاب يقتل طائفة الى ارهاب يقتل العائلة. والسبب يعود الى ان بعض الدول خصوصًا التي ظهر فيها هذا النوع من الارهاب تدعم الفكر المتطرف وتتبنى النهج الذي تسير عليه الجماعات المتطرفة.
المشكلة الأخرى ان تلك المجتمعات والنخب الدينية وحتى الثقافية التي تتحكم بالوعي العام، لا تريد الاعتراف ان الفكر المتطرف هو نتاج البيئة الخصبة التي وفرتها الدولة والمؤسسة الدينية والعادات والتقاليد والانغلاق الفكري. ما حصل ويعد صحوة افتراضية هو اشتعال مواقع التواصل الاجتماعي بتغريدات لنشطاء تشخص السبب، اذ اعترف كثيرون ان سبب قتل الشابين لعائلتيهما هو الفكر الذي تتبناه الدولة وترعاه رعاية خاصة.
هذه الصحوة التي اقتصرت على الموقع الافتراضي فقط، ولا نتصور انها يمكن ان تمتد الى العالم الواقعي الذي يتحكم به اصحاب ذلك الفكر، لم يأت الا بعد أن ذاق المجتمع من المر الذي اثمر من اشجار الفكر المتطرف. فقبل هذا، كانوا يعتقدون ان الفكر المتطرف الذي تحمله داعش جاء من خارج الحدود ولا دخل للموروث الديني الذي يقدسونه ويكفرون كل من يتناوله بالنقد.
فداعش هي صنيعة دولة خارجية وما تقوم به من جرائم تتحمله تلك الدولة وحدها ولا تتحملها هذه الدول او في الاقل الفكر الذي يتكاثر وينمو تحت ظلالها. ذلك الفكر الذي يدرس في الجامعات وفي المساجد ويلقن الخطباء الجالسين امامهم شتى فنون التكفير، ويقومون بإحصاء الفئات الكافرة، ثم يبيحون قتلهم ويعدون القاتل شهيداً في الجنة. ولا يسلم من التكفير حتى الحرم المكي الذي نسمع من خطيبه اسبوعيًا الادعية التي تطلب من الله ان يبيد كل من لا يؤمن بما تؤمن به السعودية! وبعد كل هذا نسمع ان تلك الدولة تنفق ملايين الدولارات على اقامة مؤتمرات لغرض محاربة التطرف والارهاب. ولا نعلم اينها من منابع الارهاب التي تخرج من جسدها لتصب في دول آخر واحياناً في الجسد نفسه.
وما حدث مؤخراً في الولايات المتحدة من محاولة تحميل السعودية مسؤولية احداث 11 سبتمبر على اعتبار انها المصدر الاساس والمباشر لذلك الهجوم كون ان المنفذين له يحملون الفكر الرسمي نفسه للمملكة.
لكن قوة المال السعودي والنفوذ الذي تحمله جعل تلك الاوساط تتراجع عن هذه الخطوة. مثلها مثل الامم المتحدة التي ادرجت التحالف الذي تقوده السعودية على اللائحة السوداء لكنها تراجعت بعد عدة ايام بسبب الضغوط والنفوذ ذاتها.
لذلك، لا نجد الأمر غريباً حين نعرف ان المجتمعات التي تحمي المتشددين وتؤمن بالفكر المتطرف هي قنابل موقوتة، قد تنفجر بأية لحظة فلا تتوقع دولها ان نارها ستبقى خارجاً وبالتالي ستصمت عنه، اذ ان هذه الحوادث ربما ليست الأخيرة وستشهد تلك المجتمعات مزيدًا من اعمال العنف العائلي الذي يستهدف الارهابيون اقرب هدف لهم وهو العائلة.
نحاول في المستقبل القريب ان نسمع ان تلك الدول اتخذت اجراءات وقائية للحد من تلك الحوادث، لكن ليس على وفق مبدأ المؤامرة وعادة عزف اسطوانة ان قتل شخص لعائلته داخل عاصمتها المحصنة من أي فكر مخالف لها تم بسبب دولة اخرى! هذا المنطق لن يزيد الا الخراب والتكفير والارهاب فيما بعد.
فيما يخص العراق، لابد للحكومة من اجراءات وقائية واتخاذ اساليب تتناسب مع الظروف المتمثلة بزيادة مخاطر انتشار الارهاب، فمن يقتل عائلته يكون مستعدًا لقتل عشرات الغرباء. على الحكومة ان تحارب التطرف والارهاب فكرياً مثلما تحاربه عسكريا وهذه مسؤولية النخب الثقافية ايضاً.
قانون مكافحة الارهاب للأسف، لا يتضمن أي مادة تلزم الحكومة بمحاربة الفكر الذي يؤدي الى التطرف والارهاب اما نصوص الدستور فهي فضفاضة ولا يمكن تطبيقها بنحو كامل من دون وجود قانون خاص ينظمها.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة