الأخبار العاجلة

مخطط بونزي الياباني؟

كويتشي هامادا
المستشار الاقتصادي الخاص لرئيس الوزراء الياباني شينزو آبي.
في أوائل القرن العشرين تفتق ذهن شارلز بونزي وهو مهاجر إيطالي لأميركا الشمالية عن ما بدا وكإنها خطة مذهلة لجني الأموال حيث كان يعطي عوائد كبيرة على إستثمارات لا قيمة لها مما أقنع أعداداً كبيرة من الناس بإن يعطوه أموالهم والتي تم استعمالها عوضاً عن الأرباح في الدفع لإولئك الذين أستثمروا في وقت مبكر . لقد كان مخطط بونزي والذي يحمل أسمه عبارة عن طريقة لتمكين الشركات من أن تراكم الديون للإبد ولكن بالطبع كان مخططه عبارة عن خطة إحتيالية أودت بصاحبها لغياهب السجون.
وبعد قرن من حقبة بونزي ما تزال المخططات الهرمية مثل مخطط بونزي تعد شكلا من أشكال الإحتيال أو في الأقل عندما تكون هناك شركات خاصة وراءها ولكن يبدو أن القليل من الناس يقرون بدور مثل تلك المخططات في القطاع العام وفي واقع الأمر فإن الحكومات في العديد من البلدان بما في ذلك الولايات المتحدة الاميركية واليابان تعيش على ما هو بالضرورة مخططات بونزي.
بالطبع هناك فروقات جوهرية فمخطط بونزي التقليدي من القطاع الخاص وعلى الرغم من عوائده المحتملة قصيرة المدى عادة ما ينهار لسبب بسيط وهو أن عدد المستثمرين محدود ولكن في مخطط بونزي الذي تديره الحكومة فإن المستثمر هو دافع الضرائب والحكومة المستقرة مع وجود جميع الوسائل القسرية تحت تصرفها يمكن أن تتوقع بنحو منطقي الاستمرار في جمع الضرائب والتي يمكن أن تستعملها لسداد ديونها الأولية لأجيال مقبلة.
لكن حقيقة أن مخطط بونزي التابع للقطاع العام يمكن إستدامته لوقت أطول لا يعني أنه محصن من الأخطاء فالدين العام الزائد عن الحد يؤثر سلبا على الإقتصاد مما يتركه معرضًا للصدمات ونظراً لذلك فلقد دعا العديد من المحللين إلى جعل أحكام الدين العام متوافقة بنحو أكبر مع تلك الأحكام التي تنظم القطاع الخاص ولكن من المهم تبني مقاربة دقيقة .
وهذا لم يحصل في الولايات المتحدة الاميركية عندما قرر زعماء الحزب الجمهوري أن الحد من تراكم الديون هو أولوية قصوى . لقد تسبب المشرعون الجمهوريون بتعطيلهم لتمرير الموازنات بالإغلاق المؤقت للحكومة الفيدرالية وهي مقاربة نجحت فقط في إخافة الأسواق . إن تبني الحزب الجمهوري لهذا الموقف الراديكالي اسهم في ظهور دونالد ترامب –الملياردير المتمرد والغريب الأطوار والذي يدعي بإن بإمكانه إقناع الدائنين بقبول عمل تخفيضات في الدين الاميركي – كمرشح للرئاسة الاميركية .
وكما لا يستطيع راكب الدراجة الهوائية الذي يسير بسرعة التوقف ببساطة عن استعمال الدواسة فإن الحكومات لا يمكن بنحو مفاجئ التوقف عن الإقتراض فحتى تبقى قائمة ومسيطرة يتوجب على الحكومات إزالة العجز بنحو تدريجي .
لقد إستوعبت اليابان هذا الدرس بنحو جيد فمع وجود صافي دين يصل لنحو 130% من الناتج المحلي الإجمالي- أعلى بكثير من الإقتصادات المتقدمة الأخرى- فإن اليابان مضطرة حالياً لتخصيص حصة كبيرة من النفقات الحكومية لخدمة إلتزاماتها وبينما ساعدت أسعار الفائدة المنخفضة جدا (واحياناً السالبة) في تحديد تلك الحصة بنسبة 22% من إجمالي الموازنة خلال السنة المالية الماضية فإن زيادة السعر سيجبر دافعي الضرائب على دفع الكثير مقابل فوائد أقل مما يعني أن من الواضح أن اليابان لديها الحافز لتخفيض عبء الدين الخاص بها.
لكن الإقتصاد الياباني تتقاذفه حالياً الرياح المعاكسة القوية فلقد نتج عن الضعف الإقتصادي الصيني مع التهديد بخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروببي حالة من الغموض على المستوى العالمي وبينما الهبوط في أسعار النفط الخام بحد ذاته مفيد لليابان التي تعد دولة مستوردة رئيسة فإن التأثير السلبي لذلك الهبوط على الإقتصادات الرئيسة الأخرى يمتد للمصدرين اليابانيين إضافة إلى ذلك يوجد لدينا أيضا تردد الإحتياطي الفيدرالي الاميركي في التراجع عن سياسته النقدية بنحو كلي وهي السياسة التي أضرت بآفاق وجود سعر صرف أكثر تنافسية وتحقيق نمو في سوق الأسهم الياباني .
وعلى هذه الخلفية واجه رئيس الوزراء شينزو آبي قرارًا رئيسياً وهو هل يمضي قدما في خطة لرفع ضريبة الإستهلاك من 8 % إلى 10% وعلى الرغم من أن هذا الرفع سيخدم ظاهرياً الهدف المتمثل في تحقيق التوازن في الموازنة ولكن مثل هذا الرفع سيقوض الإستهلاك والذي لم يستعد نشاطه بعد منذ آخر رفع للضريبة من 5% إلى 8% سنة 2014 ولقد قرر آبي أن يؤجل رفع الضريبة لمدة عامين ونصف العام.
منذ أن أطلق شينزو آبي إستراتيجيته للإنعاش الإقتصادي أو ما يطلق عليه «إقتصاديات آبي» سنة 2011 ، تمكن من تحقيق زيادة تقدر بنحو 12 تريليون ين ياباني (115 مليار دولار أميركي) في الإيرادات الحكومية. إن سوق العمل حالياً في أفضل حالاته منذ سنوات عديدة حيث يصل معدل البطالة إلى ما يزيد قليلا فقط على 3% مع ارتفاع نسبة الشواغر مقارنة بطلبات العمل . فقط عنصر الإستهلاك في الناتج المحلي الإجمالي يعد ضعيفاً وشينزو آبي يدرك تماماً أنه لا يستطيع السماح بضغط تخفيض الدين أن يدفعه للمخاطرة بالمكاسب التي حققها من خلال « إقتصادات آبي».
إن إعلان قرار آبي بتأجيل رفع الضربية لم يتسبب كما خشي البعض في إرتفاع أسعار السوق للسندات الحكومية اليابانية بنحو كبير وهي إشارة إلى أن المستثمرين لا ينظرون للسندات على أنها محفوفة بالمخاطر على نحو متزايد . يبدو أنه مثل آبي أقرت الأسواق بالحاجة إلى إحداث توازن بين ضرورات تخفيض الدين والنمو الإقتصادي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة