الحضارات الوحشية

تطورت الحروب البشرية من الحجارة والصخرة والسيف الى حروب العقول المدججة برؤوس نووية. وقبل ذلك تفوق البشر على الحيوانات بواسطة سلاح العقل وراح يقتل الاسد والنمر والذئب، ويقتل الحيوانات الضعيفة لطعامه الذي لا نهاية له. الغريب والعجيب في البشر، انه لا يأكل الحيوانات المتوحشة الشرسة لأنه يحترمها ويهابها، بل انه قلدها ويفتخر بها انسان اليوم اذا وصفوه بأنه (سبع)،يبتسم بزهو واعتزاز رغم ان الوصف إهانة له وتحقير بأنه حيوان متوحش قذر يستأسد على الحيوان الضعيف والمريض. وربما ترك البشر أكل هذه الحيوانات لأن طعم الحيوانات النباتية لذيذ ويستسيغه أكثر فأستغلها أبشع الاستغلال، وراح يحرم صغارها من الحليب بشربه بدلا عنها، ويستخدم جلدها للملابس والافرشة. هنا استعمر عقل البشر مملكة الحيوان وأعلن الاحكام العرفية ودكتاتورية الفرد الدموي في ذبح من يشاء والاستحواذ على إنتاجها من حليب ولبن وبيض. وطبعا، العقل بحاجة الى قوة تمنحه السلطة والنفوذ والسيادة، رغم ان هذه القوة تحولت في المستقبل الذي نعيشه الان باسم( العلم والتكنلوجيا) قد تضخمت واستهترت ثم سيطرة على العقل واستعبدته. تحكمنا اليوم القوة مع شيء قليل من العقل كما في الحضارة الوحشية، ليس كما يتوهم المتفائل بان العقل يحكمنا مع شيء من القوة كما هي الحضارة الانسانية. استعمر اليوم العقل مملكة البشر بتفوقه العلمي والتكنلوجي وسلاحه الفتاك، وكأن هذا العقل لم يتطور أبدا بعدما استعمر الحيوان ثم الانسان، لم يتطور ويؤاخي الانسان وينشر العدل في الارض. يتعامل العقل الغربي (الاوروبي الاميركي) اليوم مع بلدان العالم كما كان البشر يتعاملون مع الحيوانات. هذا العقل يرفه عن نفسه وبني قومه على حساب قارة أفريقيا وأسيا وأميركا اللاتينية، يذبح ويسلخ ويستغل جلودهم النفطية ومنتجاتهم من حليب الذهب وبيض الماس ولبن أرضهم الغنية. بماذا اختلف العقل القديم للبشر حين استعمر الحيوان عن العقل الحداثوي المعاصر، الذي استعمر أخاه وبني جنسه البشر. صحيح ان كوكب الارض لم يصادف حضارة إنسانية تحترم البشر والحيوان والحشرات والمعادن والحجر، وكانت أبشع تلك الحضارات هي من تغزو وتسبي البلدان الضعيفة وتستلب كل شيء حتى لغتهم وقوميتهم ودينهم وحضارتهم، كل هذه الحضارات المتوحشة هي حضارات دينية.
يعيش البشر الاميركي والاوروبي اليوم على دم الافريقي والاسيوي والاميركي اللاتيني، الرفاهية هناك بؤس وشقاء هنا، السعادة هناك تعاسة هنا، الجنة هناك جحيم هنا.
طبعا، لا نلوم الاميركي والاوروبي وليس ذنبهم فقط بل أن ذنب الضحايا والمسحوقين أكبر. ذاك طور عقله وراح يستغل إشعاعه وامكانياته، وهذا بقي طامسا في مستنقعات عقائد الخرافة، يتقاتل مع نفسه ولم يتطور سوى شبر واحد فوق الحيوان. وهذا عنده خيرات فوق الارض وتحتها وعقله يشتغل خارج وطنه وعائلته، غارق بجهله بتفاهته حد العظم. لماذا لا يستغله ذاك صاحب العقل النووي ويأخذ منه اللب ويعطيه القشور، لماذا لا يحلب أبقار القارات وقد فاض حليبها وساح على الارض التي تنظر الى أبنائها بحسرة وهم يدوسون النعمة الطبيعية ولا يعرفون ماهي، لماذا لا يوهمون أبناء هذه القارات انهم مجرد خدم لهم في حين أنهم أسياد العالم وتخضع لهم جميع القارات؟
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة