الفساد والإرهاب في رواية «ذاكرة الماء» لواسيني الأعرج

بقلم:رائد الحواري
في روايته (ذاكرة الماء) يتحدث الكاتب واسيني الاعرج عن فساد النظام السياسي في الجزائر، والتي يمكننا أن نسقطها على بقية الانظمة العربية الرسمية، وعلى تخلف وهمجية حملة الفكر الديني السياسي.
بهاتين القضيتين يطرح الكاتب همومه كمثقف وكمواطن، فهو يتعرض لهجمتين، الأولى من خلال فساد نظام الحكم، والثانية من خلال فساد حملة الفكر الديني الساسي وهمجيتهم، فينتج عن ذلك صراع ومواجهة مع هذين المعسكرين.
ويترتب على هذا الوضع وجود تباين في المواقف بين الراوي وزوجته، الراوي يفضل البقاء في الوطن ومواجهة القتلة والفساد، والزوجة تجد الخروج من الوطن والابتعاد عن عمليات القتل والموت التي تطارد كل المثقفين كحل وحيد للموقف، فيكون لها ما تريد بأن تخرج مع ابنها إلى فرنسا، ويبقى الراوي وابنته في مواجهة القتلة والملاحقة التي تسبب له الإرباك والتوتر.
هذا محور الحدث في الرواية، الراوي يوضح لنا كافة التفاصيل التي تؤرقه كمثقف مبدئي، ملتزم بموقفه، يرفض الهزيمة أو الهروب أمام شراسة وهمجية وتخلف القتلة، فيرى موت العديد من الأصدقاء والمقربين له بطرق بشعة، ومع هذا يصمد إلى آخر رمق، إلى أن يتأكد بأن بقاءه يوميا اضافيا يعني الموت الأكيد.

الواقع
ما تعرض له المواطن الجزائري يتماثل مع الحالة الفلسطينية، فكلاهما تعرض لاستعمار استيطاني، يسعى لسرقة الأرض وتغريب/تشريد/قتل/محو الشعب، لكن بعد أن قدم الحكم الوطني وجدنا حجم الانتهازية الكبير وتفشي ظاهرة الفساد بشكل هائل، حتى أنه بدأ يأخذ صفة/ العادة الطبيعية، وكسلوك اجتماعي مقبول، أو غير محارب من الآخرين، فمن اشكال هذا الفساد، «…وكان الضباط الوطنيون يتقاسمون البلاد بعيد استقلالها، ويبكون ببعض النفاق» ص38، انتهت الحروب وبدأ تقسيم الغنائم، لكنها ليست غنائم الأعداء، بل خيرات الوطن، الأرض، البيوت، المقرات، المناصب والمراكز والوظائف.
ويلخص لنا «عمي إسماعيل» واقع الجزائر بعد «هواري بو مدين» بهذا القول: «نعرف فقط أن هذا الرجل بنى بلاده، وهؤلاء القاصرون يبيعونها بأرخص الأثمان ولا يجدون من يشتريها» ص61، بهذا الكلام يتم توصيف حالة الجزائر بعد (استقلالها)، فأي استقلال هذا!، وأي حرية كان يحلم بها المواطن، وأين الاحتلال الذي انتهى!.
لكن بعد أن استفحل الفساد والارهاب أكثر وصفه بهذا الشكل: «تصوري صار الآن يستكثرون فينا حتى الرصاصة، بكل بساطة نذبح كالخرفان أمام أولادنا، وقتلنا يرضي كل الذين يريدوننا أن نصمت نهائيا» ص194، بهذا الوصف يتم التحالف بين فساد رجال النظام وفساد رجال الدين، فكلاهما يسعى للتخلص من هؤلاء المعارضين، فمصلحتهم واحدة في انهاء وجود أي مخالف أو معارض لهما، وإلا ما معنى أن يتم القتل بأشكال وطرق تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، والنظام لا يحرك ساكنا؟

الفساد
أكبر عدو للمواطن هو الفساد، والذي يتفوق بتأثيره السلبي على الاحتلال المباشر، فساد النظام يدمر الأخلاق المجتمع، ودون مقاومة تتناسب وحجم خطورته، لكن في الاحتلال المباشر يتم مواجهه بكل قوة واصرار، من هنا الحديث عن فساد نظام الحكم أحد أهم أشكال المقاومة للنظام، فأشكال الفساد منتشرة بكثرة، وعناصره يتكاثرون مع الوقت، ويبدلون هيأتهم/وظائفهم/مراكزهم كما يبدلون ثيابهم، يعريهم لنا الراوي من خلال حديث زوجته «مريم» التي تقول: «ـ أتعرف. أنه الرجل الذي استنطقني، وعراني مرات عديدة عند بوابة المعتقل، ها هو ذا يتحول بقدرة قادر إلى عضو في لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان» ص29، إذن الأمر ينطبق على العيد من رجال النظام الرسمي في المنطقة العربية، فهم يقدرون دخول لأي مؤسسة والتأثير فيها وفي عملها، وتسيرها حسب رغبتهم، بحيث يمكننا أن نعرفهم بأي مكان/وظيفة/مؤسسة موجودين، فهم منتشرون مع الجغرافيا، مع لهواء، وهذا يؤكد حجم ومساحة الفساد الموجودة في الوطن.
وتضيف قائلة عن الفساد: «… هو الشخص الوحيد الأوحد الذي يصلي الفجر، ويزني الظهر، ويسرق في العصر، وفي العشاء يستغفر ربه ويصير وديعا بين فخذي زوجته، ولا يشعر بأي حرج ولا بأي تناقض أبدا» ص30، الدخول إلى نفسية الشخصية الفاسدة، وتحليلها بهذه التفاصيل، يشير إلى المعاناة التي يسببها الفساد والمفسدين للمواطن، فالمواطن بات يعي أدق التفاصيل عن حياة وسلوك الفاسدين، بحيث أصبح يقادر على تحليل شخصية ونفسية الفاسد.
ينقلنا الراوي إلى الحديث عن عموميات النظام الفاسد في الجزائر، فيقول عنه: «بلادنا غنية وهناك مافية مالية بلعت كل شيء وترفض أن يذهب كل شيء من يدها، ولكن حساباتها صغيرة، فهؤلاء القتلة عندما يصلون سيأكلون الأخضر واليابس» ص59، بهذا التوصيف يكون الفساد أحد أهم اسباب الخراب الحاصل في لبلاد، فرجاله منهمكين في تكديس الثروة، على حساب لمواطن، والقتلة يستفيدون من هذا الواقع ليتوغلوا أكثر بأعمالهم وهمجيتهم.

الارهاب
الفساد والتخلف ينتجان الارهاب والارهابين، فعندما يقوم الفاسد بعمله يكون على يقين وصواب فعلته، كذلك يكون الارهابي، فهو يمتلك الفتوى/الفكرة/القناعة/الإيمان بصواب ما يقوم به، فنجد العديد من مظاهر هذا التخلف والفساد والارهاب اخذت مكانها في المجتمع، فالتغيرات السلبية/الرجعية/الورائية تنتشر كانتشار النار في لهشيم، «من غير لمعقول أن تباد معالم المدينة بهذا الشكل الهمجي وبهذه السرعة وسادة الأمر والنهي لا يعلمون؟ المدينة بدأت تزحف نحو الانقراض ليحل محلها ريف بدون عقل ولا تاريخ ولا ذاكرة، سوى الجفاف والرمال، ثم الرمل، ثم الرمل وحده الذي حول ساحات الشهداء والشوارع إلى ممرات لبيع سلع التهريب المقنن الآتية من كل أطراف الدنيا» ص51، فأول اشكال الارهاب تتمثل بقلب نظام المدينة، وتشويه صورتها، ومن ثم تحويلها إلى مدينة فارغة من مقومات المدن، فتمسى مجرد قرية، بلدة فارغ من الحيوية وحياة المدنية.
الفكر الديني عندما يقدم على تخريب ودمار البلاد يعتمد على فكرة (الحكم لله على الأرض، وتطبيق شرعه على الناس) ومن يرفض فعليه بالسيف، هذا المبدأ الذي يعمل به في الجزائر تكرر في كافة الدول (الربيع العربي) هذا ما يقوله عبد ربه «يوم تستقيم لأمور في هذه البلاد سندعوهم إلى الرجوع إلى طريق الإيمان، ومن يرفض له السيف» ص64، بهذه العقلية يتم العمل من قبل رجال الدين، فهم يعملون لتستقيم لهم الأمور، وبعدها سيكون السيف هو الحد/القصاص لكل من يخالف أو يعارض حكام الله على الأرض، أليس هذا ما تقوم به جماعات (المجاهدين) في بلداننا؟.
كما دخل الراوي إلى نفسية رجال النظام وحللها لنا، يدخل إلى نفسة الارهابي ويحللها فيقول عنها: «الفاشية الرعوية الدينية، ليست قدرا على الإطلاق، قد يتسببون في خراب البلاد، قد يفككونها، بل كل شروط التفكيك متوفرة، ولكنهم إذا حكموا لن يحكموا إلا الرماد، وعندما لا يجدون ما يقتلونه، سيلتفتون نحو بعضهم بعضا ويتآكلون، هكذا القتلة دائما لا قضية لهم إلا التأويل والدم، في لحظة من اللحظات، يصير الكل مؤمنا، أو الكل كافرا» ص90.
أما فيما يتعلق بتدمير وتخريب وقتل المدن والثقافة فيها، فنجد هذا القول الصادر عن احد افراد المجاهدين: «شوفي يا حرمة. مانطولش معك الكلام، أحدثك بشكل سلمي، أخرجي ودعينا نغلق بيت الأصنام هذا يرحم والديك» ص153، هذا الكلام متعلق بإغلاق المتحف الوطني، فهو في نظر المجاهدين ليس سوى مكان للأصنام من هنا يجب إغلاقه نهائيا والخلاص من هذا الوكر الخاص بالشياطين!.
أما فيما يتعلق بالمسرح فهو أيضا مكان للفسق والعياذ بالله! «عندما اقتربوا من المسرح الوطني أخرجوا العمال بسهولة وشمعوه بعد أن شمعوا قاعة العرض التي كانت تتهيأ لاستقبال المغنية البرتغالية ليندا دي سوزا» ص152، إذن كل من هو بعيد عن الدين، ولا يخدم الدين يجب محاربته والخلاص منه، فالمطلوب من رجال الله على الأرض القيام بتطبيق حكم الله على الأرض، وبهذا يتم تطرد شياطين الانس والجن وكل ما يقرب منهما!.

الاغتراب
في هكذا حال لا بد أن يشعر الإنسان باغتراب عن هذا الواقع، عن المكان، عن الناس، فليس سهلا أن يتغير كل المحيط بنا ونبقى نحن على ما نحن فيه، كما أن عمليات القتل، وأين قتل؟، المقربين منا، والعزيزين علينا، والذين نحبهم ونجلهم يقتلوا دون أن يكون هناك رادع أو قصاص للقاتل، كل هذا يجعل الحياة صعبة وقاسية على من يعيش هكذا أوضاع، يصور لنا الراوي الاغتراب الذي يعيشه بهذا المشهد، «نهاية الأسبوع صارت قيامة، …انسحب كل شيء من المدينة، الشوارع الزاهية، الأغاني، الألوان، الألبسة، الصبيات، صارت المدينة فجأة ذكورية وبدون معنى داخلي» ص32، بهذا الشكل يتم القضاء على الحياة في المدينة، فالمجاهد يريدها ذات لون واحد، صبغة واحدة، ونهج واحد، وفكر واحد، وسلوك واحد، هكذا يأمره الأمام، وعليه أن ينفذ أوامره الصادرة من الله نفسه.
لم يكتفي الراوي بالحديث عن اغترابه عن المدينة، بل انتقل إلى مفهوم الوطن، الذي قال فيه: «أنا في وطن لم أشعر في أي يوم من الأيام ما يحسه فيه أي مواطن، من أمانة وراحة بال.» ص72، فكثرة الفسادـ وتفشي الارهاب والقتل، جعله يحمل هذا الشعور بالاغتراب عن وطنه وليس عن مدينته وحسب.
يتفاقم الشعور بالاغتراب اكثر بحيث نجد تعبيرا اكثر قتامة من سابقه يقول فيه: «البلاد لم نعد نعرفها جيدا، ويبدو أنها هي أيضا بدورها نسيتنا» ص275، بهذا القول يكون الاغتراب قد أخذ اتجاهين، الأول متعلق بالراوي، والثاني متعلق بالوطن ذاته، فكلاهما يبتعد باتجاه عكس الآخر.
وهذا ما يحدثنا به الراوي فيقول: «ينتابني شيء من التردد ضد الكثير من الأشياء الغامضة.
… هناك شيء غامض يربطني بهذه الأرض وهذا المكان المعزول، ربما حفنة تراب ما زلت أحتفظ بها وأرحل كلما كان ذلك ممكنا، أشم رائحتها وأشعر أن لي وطنا، حتى عندما يسرق مني هذا الوطن» ص13، فهنا نجد عملية شد وجذب للأفكار، المبدأ يجعل الراوي يتشبث بما يحمله من أفكار، والواقع يدفع به لخروج منها.
يوضح لنا هذا الصراع بشكل أفضل من خلال هذا الحوار: «ـ هذا تبريرك، كم بقى من أصدقائك في الجزائر. الأغلبية قتلت وما تبقى حمل حقائبه.
ـ قد تكون أنانيتي الصغيرة هي التي تبقيني وسط هذا الجحيم، قد تكون بطولة دونكشوتية لا معنى لها إلا عندي، وعندي شخصيا.
الرواية من منشورات الجمل، الطبعة الأولى، 1997، كولونيا، المانيا

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة