الظمأ الانطـولوجي ومحاولة استعادة الأنا المسروقة

سلام مكي
يحاول المفكر د. عبد الجبار الرفاعي من خلال كتابه: الدين والظمأ الانطولوجي ان يعكس دينا مغايرا ومختلفا عن الدين الذي يؤمن به جماعات الاسلام السياسي، دين يجعل من الانسان مصدره الاول والاخير، بعيدا عن روح الجماعة وتغييب الفرد وتذويبه في جماعات وتكتلات قائمة على اسس عرقية ودينية.
الرفاعي استطاع في كتابه هذا ان يسلط الضوء على مال مسروق من قبل تلك الجماعات، لم يطالب به احد، مثلما تمت المطالبة بالأموال والعقارات التي سرقت اضافة للدين بمفهومه النمطي الذي يتعكز على قناعات الافراد ويلجأ الى ابجديات التدين الشعبي، الفطري، بعيدا عن اي اسس فكرية وعلمية حديثة.
وهذا المال هو النفس والأنا. فهو يقول: ان ادبيات الجماعات والأحزاب تتجاهل فردية الكائن البشري ولا تتحدث عن الهوية الشخصية عادة… فهي تتشدد في مقولاتها وشعاراتها وتربيتها على ان مهمة كل شخص في الحياة هي: الامتثال لما يؤمر به والتنكر لذاته والكف عن اية محاولة لاستبطان الذات.
هذا الكلام الذي يشير الى سرقة خطيرة لم ينتبه اليها احد، سرقة اكبر فداحة من سرقة الاموال والمناصب والامتيازات. انها سرقة الذات والنفس والانسان.
سرقة لصالح الجماعة المزعومة، واي جماعة: انها جماعة الاحزاب التي نزعت كل ملابس التقوى والنضال لتلبس رداء الدين. فاذا جرت تلك الجماعات الفرد من ذاته وكيانه الشخصي، ضمنت امتثاله لما تطرحه من رؤى وافكار حتى لو كانت غير معقولة وتتنافى مع مصالحه. اما اذا تركته يواجه ذاته، ويكتشف مكامنها الخاصة وتجلياتها، لما تردد لحظة في نزع ذلك الرداء عن تلك الجماعات الذي هو احق به منها. ثم يشخص الرفاعي مشكلة المجتمع ان افراده يعانون من العبودية، من فقدان التحرر، من سجون كثيرة وجدوا انفسهم داخلها وهم يظنون انهم احرار. وتلك السجون هي نتيجة طبيعية لفقدان الأنا وذوبان النفس وتراجع الشخصية لصالح الجماعة.
الرفاعي شخص مشكلة مزمنة في بضعة اسطر، وضع لأجلها مدونات وتم تأليف عشرات الكتب، منذ سقوط النظام واكتشاف حقيقة الاسلام السياسي الذي تمثله الاحزاب التي تحكم حاليا. يمر الرفاعي على اهم مسألة وهي تغييب العقل بصورة متعمدة من قبل الناس، فيفضلون العبودية التي يعتبر ان عبودية العقل اخطرها. ذلك ان هذه العبودية تقيهم من مسؤولية التفكير والوعي. يقول الرفاعي: الناس بطبيعتهم ينفرون من التفكير ومن كل ما يوقظ العقل من سباته، لذلك يفتشون على الدوام عمن يفكر عنهم بالنيابة فيعودون في كل شيء يسير او خطير الى من ينوب عن عقلهم.
في هذا الكلام يكشف الرفاعي عن حقيقة ان غالبية الشعب العراقي لجأوا راغبين الى خيار التفكير بالنيابة في كل شيء. ففي الانتخابات ينتظرون من يخبرهم اي قائمة ينتخبون وفي الحرب ينتظرون الجهة التي تفكر عنهم الى اي طرف يدعمون. حتى في قضاياهم الخاصة وشؤونهم العملية، لابد من انتظار النصائح.
ان كتاب الرفاعي هذا، هو صرخة عقلانية بوجه المد العاطفي الذي صنعته تيارات الاسلام السياسي، صرخة دينية خالصة متجردة من المذاهب والطوائف، تريد وجه الدين الحق، بعيدا عن الانتماءات والولاءات الضيقة. انه كتاب غير مسبوق يثير في نفس القارئ حنينا طاغيا الى ذلك الدين الذي يروي ظمأه المقدس.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة