الأخبار العاجلة

العوالم اللانهائية محتملة الوجود

فيلم هونغ سانغ سو (مخطئ حينها، محق الآن)
روجر كورزا
ترجمة: أبو الحسن أحمد هاتف
تجري أحداث الفيلم في سوون، حوالي 30 كيلومترا جنوبي مدينة سيول الكورية إذ تنقسم تحفة هونغ سانسو الفائزة بجائزة الفهد الذهبي إلى قسمين متطابقين تقريبا، حتى أن مشهد أفتتاحية الفيلم يعاد عرضه بعد ساعة مع فارق واحد بالكاد يمكن ملاحظته من قبل مشاهد شديد الملاحظة وهو: العنوان حيث كان في بداية الفيلم (محق حينها، مخطئ الآن) وقد تم عكسه بعد عرضه مرة ثانية بعد ساعة من بدء الفيلم الى: (محق الآن، مخطئ حينها). كلا جزئي الفيلم يحوي شخصيتان رئيسيتان وعدد قليل من الشخصيات الثانوية وتجري أحداث كلا القسمين في نفس الأماكن العامة: معبد، بار، مطعم، قاعة جامعية، زقاق وشارع. موضوع الفيلم هو موضوع معتاد عند هونغ، وهو الرغبة إذ تتضح في التبادلات اليومية اللفظية وغير اللفظية بين الرجال والنساء من طبقة اجتماعية محددة: العلاقات بين الذكور والإناث غالبا ما تكون حسنة النية ولكن معيوبة في النهاية (إن لم تكن فشلا تاما) وبناء على هذا فإنها تتضمن القدرة على الفكاهة والحسرة.
حبكة فيلم (محق الآن، مخطئ حينها) تتشكل من موقف صغير يحصل بعده تأخير ومجموعة من التغيرات في مشاهد قصيرة على أساس ذلك التأخير. تكمن الطريقة السردية لهونغ في تأخيره للفرضية المبدئية التي عادة ما يتم تطويرها على الفور من قبل غيره من السينمائيين من أجل التوصل إلى حل مرضي ولكن بدلا من ذلك فأن قصة هونغ الرئيسية الصغيرة مبنية بطريقة لا تمكنها من انهاء ما بدأته تماما فعندما تغادر الشخصيات الرئيسية الشاشة قد يتم الانتهاء من الفيلم ولكن تبقى النهاية مفتوحة لجميع الحلول الممكنة. في فيلم (محق الآن، مخطئ حينها) يترتب على ذلك الوصول السابق لأوانه في سوون لصانع أفلام يسمى بهام جمسو (يلعب دوره الممثل الكوري جانغ جاي يونغ) حيث يصل جمسو لعرض فيلمه في مهرجان والقاء خطاب، ولكن لانه وصل مبكرا بيوم عن طريق الخطأ ولديه وقت فراغ ليقضيه، يقرر جمسو زيارة معبد حيث يلتقي يون هيجون (تؤدي دورها الممثلة الكورية كيم منهي) ويون هي شابة جميلة حزينة تطمح بأن تغدو رسامة فيلتقيان في غرفة المعبد المكرسة لتلقي التبرعات وبعد محادثة في معبد يغادران معا لتناول القهوة ومن ثم يزورها زيارة اخرى في وقت لاحق حيث يتناولان الطعام والشراب معا ثم يقومان بزيارة بعض أصدقائها وأخيرا يمشي جمسو مع يون الى منزلها حيث أنها لا تزال تعيش مع والدتها. وفي اليوم التالي يعرض فيلمه ويجري محادثة لاذعة مع احد النقاد للأجابة عن الأسئلة حول عرضه، كل مايحدث.
وتستند القوة السردية لفيلم كونغ على تأخير وتمديد الوقت مع كون الفكرة هي تأجيل الأعمال من أجل تكثيف بعض سمات الشخصيات السلوكية التي تتضح من خلال العلاقات المتصاعدة بين الشخصيات، ويجري هذا في جميع أعمال هونج، وهو نمط التكرار الذي يستمر بعد المضي ساعة في فيلم (محق الآن، مخطئ حينها) يتم تكراره حرفيا كما لو أن الفيلم يحوي أعادة لنفسه في داخله حيث تتكرر أحداث الفيلم بنفس ترتيبها المحدد كما هو من المعتاد لهونغ، فالفروقات يتم إنتاجها ضمن هذا التكرار وهي ناجمة عن أسباب غير مفهومة تماما تستند في حدوثها الى حد كبير على عامل الصدفة. فالتغييرات تحدث من خلال اختلافات صغيرة سواء كانت هذه ألاختلافات من حيث البناء النفسي للشخصيات او من خلال إجراء تعديلات في كيفية تطور الاوضاع. أن فرضية هذه اللعبة للتكرار والازدواجية لدى هونغ تؤكد الطبيعة «غير المؤكدة» لأية علاقة أو موقف.
وتجدر الإشارة إلى أن الممثل جونغ جاي يونغ الذي فاز بجائزة أفضل ممثل في لوكارنو هو ممثل استثنائي. أن «تلقائية» ممثلي هونغ هي علامة تجارية لسينماه، ولكن الدقة في درجات التنوع في أداء جيونج، لاسيما أثناء مقطع مطول في مطعم للسوشي حيث يصرح بحبه ويقترح الزواج وهو ثمل، ووجهه يعكس كلا من العار والسعادة المشوهة وهو يحتسي مشروب السوجو أمر لافت للنظر، مع العلم بأن ممثلي هونغ عليهم ان ينصاعوا للمشاهد الطويلة التي يستخدمها مخرجهم في كثير من الأحيان، كما انه لا يترك لهم أية لقطات قريبة يمكنهم فيها استخدام إيماءات الوجه لمساعدتهم على أظهار شعور ما أو عاطفة عميقة، فالفرصة الوحيدة للمثلين للكشف عن مشاعر شخصياتهم غير المعلنة قريبا من عدسة الكاميرا تأتي عندما يبتكر هونج حركته المميزة في اعادة صياغة اللقطة تصحبها حركة عدسة التكبير للكاميرا إلى الأمام والى الخلف مع بعض التعديلات في الوتيرة العاطفية للتفاعل اللفظي (وفي بعض الأحيان تغييرات في الخلفية).
قد يدعي منتقدو هونج سانسو بفعله للشيء نفسه مرارا وتكرارا ولكن من الواضح أنه أصبح متخصصا في توظيف التكرار كهيكل سينمائي وأنثروبولوجي. أن خفة أفلامه تحقق أعلى درجة من العمق. أن التكرار هو أحد أكثر الأجهزة حساسية وصعوبة للتعامل معها بشكل عام، لأن الشيء الذي يبدو على أنه ذو الهيئة نفسها مرارا وتكرارا عاجلا أو أجلا ينتهي بالأبتعاد إلى شيء غير متوقع. فهو تحول سايكولوجي غير مستقر لا يمكن السيطرة عليه إلا من قبل مخرج متميز. ففي خلقه لنسخة جديدة من فيلمه داخل الفيلم ذاته، فأن هونغ لا يصل إلى الحقيقة خلف موضوعه من خلال الكلمات ذاتها ولكن من خلال تصوير الفشل في التواصل الإنساني بين الشخصيات النمطية، كالمخرج المتغطرس والشاب الفنان المكافح لا سيما في ما يتعلق بلعبة الكلام غير المباشرة خلال تطوير الانجذاب الجنسي، فالسر لدى هونغ يكمن في استخدام الصور النمطية لأجل الابتعاد عنها، ومن خلال هذه العملية يعطي لمحة عن السلوك الانساني.
* عن السينما اليوم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة