الأخبار العاجلة

أسئلة الدين والظمأ الأنطولوجي

أسئلة الدين والظمأ الأنطولوجي
علي حسن الفواز
يمكن أن نضع كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي(الدين والظمأ الأنطولوجي) في سياق أسفار البحث عن المعرفة العميقة، تلك التي تخص الذات وكينونتها، والوجود وأسئلته، والفكرة وحمولاتها، الجسد وعلائقه بالحياة والموت، والدين وجوهر الايمان.
يضعنا الرفاعي أمام فضاء هذه الثنائيات، عبر كشوفاته واعترافاته وقراءاته، إذ يجوسُ عبرها عوالم شخصية ومعرفية وتاريخية، وعبر تصورات تدخل في إطار رؤاه الإيمانية العميقة، وأسئلته النقدية المفتوحة على مفاهيم التجديد والإصلاح، والنزوع الى استكناه سرائرها، وجدالها ومثقفاتها التي تمسُّ العقل والحدس والميتافيزيقيا..
الإنسان- بوصفه- هو هاجس الكتاب، بوصفه أكثر أسرار الوجود غموضا، مثلما هو الجوهر الوجودي للفكرة الدينية، فهو صانع العمران والمعرفة، وهو خليفة الله في الأرض، هو المؤمن والعابد، مثلما هو الخطّاء والقاتل والعبد والباحث والمُستبد، وهو المشغول بالحدْس والعرفان والميتافيزيقيا التي تقوده جوهر(لدّني) في الاشياء والمعارف خارجة عن المنطق والواقع، إذ هي تخص سرَّ علاقته بالدين، والدين كما يقترحه فهمه الرفاعي ليس المُدوّن، والمكشوف في الكتب، وفي الرسائل فقط، بل هو جوهر السؤال المتعالق بشغف الذات المؤمنة وهي تبحث من خلال (الظمأ الأنطولوجي) عن المعنى الغائب وعن الخلاص، ف(عبر البعد الأنطولوجي يمكننا العبور الى جوهر الدين، وبه يرتوي ظمؤنا للمقدس، وبه نتذوق الأبعاد الجمالية فيه، وندرك مايفيضه الدين في عالمنا) ص11
الظمأ الأنطولوجي يتحول هنا الى شفرة موجهة في كتاب الرفاعي، فهو مصدر للتحفيز، مثلما هو مجال تبئيري للكشف والإفاضة، ولعل التقاطع في النظر الي حمولات هذه الشفرة هو ما يؤدّى الى توليد الكثير من الاشكاليات الوجودية وحتى المعرفية، فالطريق العرفاني للدين يقود الى التلذذ بمعرفة الذات الانسانية عبر مقاربة الذات الالهية، وحتى الطريق البرهاني يُفضي الى أسئلة تتعلق بمعرفة الوجود والذات الرائية وكل الثنائيات التي يتعالق بها الإنسان، لكن البعض يَقْسرُ بحثه عن الظمأ الأنطولوجي من خلال القسْر الأيديولوجي، حتي يُغلق مفهوم الإيمان في حدود العُصاب، والكراهية والتكفير والتأثيم والتبعية للجماعة ولفقهها العدمي.
يتمحور كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي(الدين والطمأ الأنطولوجي) والصادر عن مركز دراسات فلسفة الدين/ بغداد، ودار التنوير للطباعة والنشر/ بيروت/ 2015 حول ست عتبات مقترحة للقراءة..
تبدأ العتبة الأولى(نسيان الذات) من توصيفات هذه الأنا بوصفها القوة المحركة لجوهر الأشياء، فهي (الأنا الخاصة) الأنا الذاتية التي تعي وتلتذ وتشارك وتفكّر، إذ( لاتبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية إلّا عندما تتحقق وتوجد الذات الشخصية، وهذه الذات لاتتحقق دون الفعل، فالوجود الإنساني لايصل الى الامتلاء الّا بالفعل وحده) ص16
ونقيض هذه الأنا هي(الشخصية المستعارة) كما يرى الرفاعي، تلك التي الشخصية الغارقة بعُصاب الجماعة، وضعف قدرتها على التفكير الحر، وممارسة أنويتها بحرية وإرادة، وهذه الشخصية المُسطّحة هي نواة فكرة التابع والخاضع وصناعة الجماعة العنفية وسيادة روح القطيع، كما أن هذه الشخصية هي المجال الذي تتشكل فيها ملامح تنميط الكائن وتجريده من قوة الفعل والمغامرة والنقد والاختلاف والاحتجاج والثورة، لأن هذه المظاهر تتقاطع مع مهيمنات الجماعات التي تشرعن فكرة الشخصية التابعة، ومن هنا(تحرص أدبيات الجماعات الاسلامية على مناهضة ورفض الثروة الفلسفية ومدونة التصوّف والعرفان في الاسلام، وتتهمهما بالهرطقة والخروج عن الدين، وتُحذّر أتباعها من الإطلّاع عليها والنظر فيها، وهو موقف تتضامن وتلتقي فيه تلك الجماعات بأسرها)ص19
العناوين الفرعية في هذه العتبة والتي تخص موضوعات( الانسان كائن عميق، الإيمان خيار شخصي، الحق في الاختلاف) تنحاز الى فكرة ماتكشف عنه الذات الواعية، والتي تجد فرادتها وأنستها في فعل الممارسة والموقف والخيار، إذ هي جوهر التعبير عن النزعة الانسانية في الإسلام، والتي اشتغل عليها الرفاعي في أطروحاته كثيرا..
في العتبة الثانية( نسيان الإنسان) يضعنا الباحث الرفاعي أمام سيرة وعيه الشخصي والعائلي، وطبيعة مكوناته المعرفية، والتجذّر الايماني الفطري في شخصيته، ومكابداته التي عاش يومياتها في بيئة اجتماعية وتعليمية صعبة وفقيرة، فضلا عن التعرّف على التحولات الفكرية الصادمة والتي غمرته بأسلتها، وحقائقها وضروراتها واشكالياتها، فهو يعترف بوجوده وسط عالم تُصارعه الأفكار والأوهام والأنماط، وأن قوة حيازته للوعي والحدْس المُبكّر جعلاه ينأى بالنفس عن الشطط والانحيازات غير الواعية..هذه السيرة هي ذاتها سيرة وعيه القلق، سيرة شكّه العميق، ذلك الذي جعله أكثر توقا البحث عن المعرفة والحقيقة، رغم رهابه من تدوين هذه السيرة، لانها تعني مواجهة مع عالم مُتشيء وغائر في مدونات التاريخ، وفي مهيمنات مركزياته السياسية والفقهية، وأحسب أن تسميته للسيرة ب(الاعتراف) يجعلنا أمام قراءة مفارقة، وأمام كشوفات فيها من الجرأة الحذِرة، أكثر ما فيها من المغامرة غير المحسوبة النتائج، فهو يضع الجرأة بوصفها نقدا لكل مظاهر القبح، بما فيه قبح الحاكمية، وقبح العزلة عن الحياة والعمل والمعرفة والجمال وفهم الواقع.. يقول الرفاعي: أدركت أنه لايلذ العيش إلّا بالخلاص من الفهم التبسيطي للواقع، وأن رؤية الوجود بعين واحدة تحجب جماليات الوجود، وأنّ الحياة لاتطاق من دون تذوق جماليات الوجود ص81.
فلسفة الاعتراف كما نقترح تسميتها رهينة بالاسئلة الوجودية التي بدأ يطرحها وعيه مبكرا، إذ أدرك الكثير من المفارقات والأوهام والالتباسات التي يعيشها الناس، وتسود في اوساطهم الاجتماعية، وداخل مجالاتهم العبادية والطقوسية، وعلائقهم داخل الجماعات المقهورة بوعي استلابي واخضاعي.
العتبة الثالثة في الكتاب( المثقف الرسولي علي شريعتي، ترحيل الدين من الأنطولوجيا الى الأيديولوجيا) تنحني على مقاربات لأفكار شريعتي وأطروحاته حول الثورة والخطاب الديني والإصلاح، يستهلها الرفاعي بتقديم إيجاز عن التيارات الدينية في إيران، ليضع أطروحات شريعتي في سياقها الفكري والتاريخي، إذ يجد في مقولات الحداثة واللسانيات والفيللوجيا وفلسفة التاريخ مجالا رحبا للحديث عن(دعوته الحماسية للعودة الى الأصالة، والهوية الحضارية، والذاتية) ص110
علي شريعتي أنموذج للمثقف الثوري الذي يسعى الى تقديم قيم المضمون الثوري للإسلام، من منطلق دعوته لمواجهة كل مظاهر الفساد والتردي والمنكر، وأنّ هذه المواجهة هي مسؤلية اخلاقية وثقافية وشرعية تخص رجال الدين مثلما تخص المثقفين الآخرين..
قراءة الرفاعي لأطروحات شريعتي تبدّت أكثر في مقارباته حول موضوع الأيديولوجيا، لأنه من الذين ينحازون للتفسير الثوري، والذي( يتطلب قراءة ايديولوجية للدين أو» أدلجة الموروث الديني» والموروث كما يرى يفتقر الى مثل هذه القراءة) ص119لكن شريعتي -كما يرى الرفاعي-(يغالي بوظيفة الايديولوجيا) ويغفل عن تمثلاتها وتحولاتها، والتي تحولت الى مصادر لتوليد الدوغمات القومية واليسارية والسلفية، كما أنّ( النسق المغلق) للأيديولوجيا يجعلها بعيدة عن التفاعل والقبول بالأفكار الأخرى وبتنوع مرجعياتها، بما فيها المرجعيات الدينية والطائفية، كما أنه يعني التقاطع مع تحقيق العدالة التي يهدف لها الدين، فالرفاعي يرى أنّ ( الطريق الى العدالة لا يمرّ من خلال أدلجة الدين، لأن الأدلجة تُفسد الدين)123-124
العتبة الرابعة(التجربة الدينية والظمأ الأنطولوجي للمقدس) تنطلق من وعيٍ فلسفي لهذه التجربة، ولإدراك فواعلها على مستوى معرفة الله وتحسس حضوره عبر هذه المعرفة، والتي يجد فيها الرفاعي باعثا لتوصيف إيمانه الديني، الايمان الذي تتجوهر فيه تلك المعرفة واهتماماتها بتفسير التجربة الدينية، وكشف آثارها ب( في بناء الحياة الروحية، وبيان العلاقة العضوية للتجارب الدينية بإرواء الظمأ الأنطولوجي) ص154
العتبة الخامسة(أية دولة بلا حياة روحية وقيم أخلاقية) تنفتح على مقاربة ظاهرة الإرهاب الإسلاموي الذي أثارته داعش بوصفها تعبيرا سياسيا وتاريخيا وشرعيا في أزمة فهم النص الديني، ومحنة تكفير الآخر وتأثيمه وأخضاعه الى فقهيات الاستعباد والاستغلال من منطلق القسر الفقهي في النظر الى مفاهيم الايمان والكفر والسبي والشرك وغيرها، والتي أسهمت في تكريس قيم العنف والكراهية والقتل تحت يافطة الفتوى الملتبسة بالعودة الى مايُطلق عليه تضليلا بالاسلام النقي..
أحتوت العتبة السادسة على حوار مع الدكتور الرفاعي سلّط الضوء فيه على أطروحات مثيرة للجدل حول الدين والتدين والايمان والدولة والأيديولوجيا والسلف الصالح، فضلا عن قراءاته العميقة للعديد من الكتّاب المعنيين بالخطاب الإسلامي، واشاراته لمخاطر أدلجة الدين وتغييب القيم الروحية، إذ أنّ مظاهر العنف والتصلّب والتطرف هي جزء من غلوِ وتضخم هذه المخاطر التي باتت تهدد البنى المجتمعية وقيم الأخلاق والتعايش والمحبة وتشوه النزعات الإنسانية لأي ظمأ أنطولوجي للمعرفة والجمال والإيمان…

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة