قداسة اللعب

لم تكن محاكم التفتيش في العصور المظلمة غبية ورعناء باشعال محارق الكتب بحجة انها تلهي الناس عن عبادة الرب. ولم يكن هتلر والنازيين حمقى وهم يحرقون الكتب مع أصحابها. كذلك صدام والبعث وسلطة الدين الجديدة لم يصفهم احد بالرعونة ولم يكن القائد الضرورة مجرد(طرن) بفتح أبواب جهنم أمام الكتب وأصحابها قبل وبعد الاعتقال، بل راح أصحاب الكتب يحرقونها والتخلص منها قبل التورط بدخول جهنم صدام التي بقيت مفتوحة تشتغل وبنجاح ساحق في عرض فيلم(450 فهرنهايت) حيث احتفالات محارق الكتب.
ان مجرد وجود رواية هو انقلاب على الواقع وثورة على السائد. ان كتب الفكر والمعرفة والفلسفة غاياتها واضحة وأهدافها محددة، تقول ما عندها مباشرة في محاولة لكشف العيوب في الحياة والواقع لأجل معالجتها، فالكتب كلها خطرة لكن أخطرها الرواية لأنها تحمل بين طياتها تمردا خفيا ينطلي على الحكومات والرقابة بكل أنواعها وينطلي على القارئ وحتى على الكاتب الروائي في أغلب الاحيان. هذا هو سر خطورتها حيث من المستحيل ان يتخيل أحد ان بامكان عصفور ان يدمر طائرة حربية. الجميع يعرف ان الرواية خيال على وهم على كذب على لعب. فلا يمكن ان تعيش وتنمو هذه الكذبة داخل عقل الانسان، لا يصدق أحد ان هذه الكذبة تحمل في جوفها حقيقة مشروع حياة. لا يتوقع أحد ان هذا الخيال هو تمرد على سجون الواقع واقتراح حياة بديلة له. يقولون: الرواية وهم يزيح أيماننا اليائس من تغيير العالم. فلا يخطر في البال ان مجرد لعبة صغيرة وعلى الورق مستحيل ان تقلب وجه الدنيا وتغير الواقع. وبما ان الرواية لعبة فلا خوف منها ولا تشكل خطرا على العالم. لكن مرضى الرقابة السياسية والدينية والاجتماعية يرتعبون من ذاك الخطر البعيد الكامن في اللعبة. ولأن هؤلاء يمثلون أشواك قنفذ الواقع فهم يرفضون ويحاربون لحد التضحية بالنفس أي تغيير وانتهاك وتطوير لعالمهم المتحجر، وبالمناسبة هم يكرهون كل أنواع اللعب ويضخون برؤوس أتباعهم وأطفالهم والمراهقين ثقافة الموت ورخص الحياة البشرية. بينما يتشكل الكون بمجراته وكواكبه ونجومه من مجموعة قوانين للعب: العلم لعب وكذلك السحر والفن والادب والتصوف، وأكثرها لعبا هما الرواية والسينما لأنهما تشتملان على كل أنواع اللعب من العلم والفن والحلم، لعب من الرحم الى القبر لا بل حتى ما وراء الموت. الرواية ترعب وتخيف الساخطين على الحياة، الجادين الحانقين المتورمين حقدا على شهيق وزفير الدنيا، يحاولون خنق أنفاس الكتب بالمنع والحظر والتحريم والتجريم. ان عصور حرق الكتب ليست بذاك البعد فحرق مكتبة الاسكندرية لا يزال دخانه يعمي عيون التاريخ تدمع منه أحداق منطقة الشرق الاوسط . ثم محارق التتر المغول واغراق الكتب في نهري دجلة والفرات. لولا الرواية لصدقنا أكاذيب التاريخ وانطلت علينا الكثير من الخدع. فالرواية هي الأخرى تاريخ لكنه ليس التاريخ الرسمي المكتوب بيد المنتصرين. الرواية هي التاريخ السري للضحايا الضائعين بلا وجوه ولا اسماء، هي نبش التراب بحثا عن الصرخات المدفونة والبحث عن صاحب الدم مجهول الهوية. الرواية تفعل كل ذلك بواسطة اللعب. وهو لعب صارم يلعبه الروائيون بمنتهى الجدية ، فبدون الجدية في اللعب تفشل وتخرب اللعبة تماما كما يلعب الممثلون في العرض المسرحي ، يلعبون بفائق الجدية للوصول بها الى مستوى الاقناع والاستحواذ على المشاهدين الى حد المشاركة باللعبة.
هذا لعب الرواية الذي سيحرق مزاعم محاكم التفتيش القديمة والمعاصرة، ويهزء من الهتلريين ويسخر من الصداميين القدماء والجدد في كل مكان وزمان. الرواية ثورة صامتة وسرية لا يعلم بها أحد حتى الروائي نفسه ، هي ثورة ليست فيها قطرة دم واحدة.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة