الأخبار العاجلة

الحياة الفاسدة لرسام الرموز المقدسة

رافائيل سانتي:
هانز يواخيم بيترز
عندما انجبت زوجة رسام البلاط جيوفاني سانتي يوم الجمعة الحزينة سنة 1483 في (اوبينو) ولداً٬ ما كان قد دار في خلد (سانتي) حينها ان ابنه هذا الذي اطلق عليه اسمين؛ (رافائيل) و (مايكل انجلو) سيكون اعظم رسام في ذلك العصر٬ ربما ظن في الاقل ان صاحب الحظ السعيد سيبصر نور عصر عاصف. كان رافائيل في الاصل رسام لوحات دينية يرسم على مدار الساعة ويولي اهتماماً كبيراً لجمع المال٬ ففي رسالة له كتبها سنة 1514 اشار فيها الى ان امتلاك ثلاثة آلاف (دوكاتن) تعد حظاً عظيماً. بدا التحول عندما بلغ رافائيل الحادية والعشرين من العمر ويمم وجهه الى (فلورنسا) قبلة الفن في عصر النهضة. بقي (المقلد الكبير) كما وصفه احد نقاده المغرضين٬ غير متأثر بعواصف العصر. لقد وعى رافائيل العالم العصري سنة 1508 ويحتمل ان يكون ذلك بعد تلبيته دعوة البابا جوليوس (1503 ¬1513 (وسفره الى روما. في ذلك الزمن تحققت معرفته وتوثقت بالفتاة التي صارت له (موديلاً) خالداً٬ تلك هي (مارغريتا لوتي) التي ذاعت شهرتها تحت اسم (فورنارينا) في تاريخ الفن. الحياة البوهيمية الرومانية (نسبة الى مدينة روما) شائعة في ذلك الحين في ضاحية (تراستافيرا) ففي ظلال البيوت الضيقة ذات النوافذ الصغيرة يتجول الفنانون والمتسولون والمتشردون٬ ويعقد الشبان لقاءات الغرام الليلية. وبعد ليلة مخمورة تنقل فيها رافائيل من خمارة الى اخرى دخل الى مخبز صغير كان قد فتح بابه لتوه. وكانت رائحة الخبز الطازج الذي يصنعه الخباز (لوتي) تفوح في كل ارجاء شارع سانتا دوروتيا. وسحر الشاب الوسيم ذو العينين الحالمتين في الحال بابنة الخباز ذات القوام الجذاب من النظرة الاولى.
قدم نفسه اليها ودعاها الى مرسمه٬ في تلك اللحظة دخل ابوها المحل٬ قال الاب بشيء من الزهو والاستنكار: «لقد حصلت مارغريتا على عدد لا يحصى من العروض٬ ربما لم تكن انت رساماً وليس عندك مرسم»، قال الشاب السهران بجرأة : «استفسر اذاً من قداسة البابا». قال الخباز بنبرة مهددة : «سأفعل» ثم اقطب حاجبيه وقال متسائلاً : هل انت متزوج؟ فاجاب: وهل ينبغي لكل رجل عفيف ان يكون متزوجاً؟ وكان جواباً ملتوياً. وكان الشاب الانيق المتنعم حتى تلك الساعة في منجى من شباك الانوثة ومصائدها. قال الرسام موضحاً ومخاطباً الخباز القلق مع نظرة فاحصة لصدر مارغريتا المكتنز: «ما لم يحصل يمكن ا ن يحصل». الفورنارينا٬ كما اطلق عليها رافائيل٬ وكما صارت تعرف منذ ذلك الحين خلال اللوحة الرائعة التي تمثلها جاءت الى مرسمه بعد ايام قلائل ولم تتركه ابداً. رفضت في البدء ان يرسمها رافائيل عارية٬ كان طبعه سلساً ليناً انه كازانوفا الظريف وليس دون جوان الخشن٬ فاستخدم وسيلة اقناع ناعمة. قال: «هناك الكثير من النساء الجميلات بوسعي ان ارسم صورهن٬ لكن ليس فيهن من لها جسدك الإلهي».
ووافقت في النهاية على ان يرسمها نصف عارية. فهل علمت ان صورتها على اللوحة نصف عارية ويدها على حلمة نهدها اكثر اثارة من اية إمرأة عارية تماماً؟ وعلى اية حال فقد صارت منذ الجلسة الاولى حبيبة من (لا يقاوم). قورنت روما في ذلك العصر ببابل الفساد٬ واعتبرت الأرستقراطيات الماكرات رافائيل فنان الحب. ورغم ان بنت الخباز من (تراستفيرا) تعيش معه٬ فقد كان يعود ليلاً بصحبة نساء جميلات: مع اميرات وعاهرات ونساء من عامة الشعب وزوجات فنانين آخرين. في يوم ما٬ عندما كان الفنان في الطابق الجديد من القصر البابوي منشغلاً باللوحة الجدارية signature della Camer دخل عليه البابا (ليو) العاشر ورأى الفنان فوق السقالات يعانق فتاة جميلة فاحمة الشعر. قال البابا منفعلاً: «كنت انتظر منك ان ترسم خلق حواء»! اجاب رافائيل : حواء كانت امرأة.
ارسم ما يحلو لك ولكن لا تأتي بعشيقاتك الى بيتنا! اجاب الفنان الشاب بتكلف : انا مذنب ايها الاب المقدس٬ ان استذكار ساعات الشهوة لا تفي بشروط عملي الفني٬ لا بد لي من ممارسة الحب اثناء العمل. ولو ان البابا قد تفهم شروط رافائيل٬ اذاً لوجد في الحال تعاطفاً من مموله الكبير (اغوسطينو شيجي). وكان (شيجي) ممول فنون عصر النهضة٬ وصيرفي الديانة المسيحية كما كان يدعى في ذلك الحين٬ بكثير من الاعتزاز. فاذا رسم رافائيل له وحده كان كل شيء مهيئاً٬ ففي منزله بروما الذي صار يدعى فيما بعد (فارنسينا) رسم رافائيل اللوحة الجدارية (نصر جلانيا).
هنا تكونت ايضا لوحات (دنيوية) لجمال شهواني كبير٬ من ضمنها تاريخ (امور النفس) psyche und Amor ليس مصادفة ان يرتب (شيجي ) للفنان في الفيلا (فارنسينا) عدداً من الغرف المؤثثة تأثيثاً فاخراً؛ فاذا شعر رافائيل بالتعب من مواصلة العمل انصرف الى غرفه الوثيرة٬ وان ارهقه الحب عاد ثانية لمواصلة العمل. ان كلمة (فاجر) التي اطلقها (ادوار فوكس) على رافائيل في كتابه (تاريخ الاخلاق) لا تصدق عليه تماماً٬ وربما كانت كلمة (شهواني) اقرب الى الصحة. ورافائيل لم يكن ايضاً رجلاً غير مخلص بشكل مطلق فهو يعود دائماً من مغامراته العاطفية الى احضان (فورنارينا) التي تشاركه الجناح المخصص له في فيلا (فارنسينا).

*ترجمة: قاسم التميمي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة