الأخبار العاجلة

اعتذاري للشواذي

من الشائع بيننا اطلاق صفة (الشاذي) اي القرد، على الشخص الذي يصل الى مستويات مذلة من المسخ والخنوع والتملق، وبسبب من شروط العيش المتنافرة وأبسط المعايير الانسانية انضمت قطاعات واسعة لنادي الشواذي هذا. لكنني وبعد مشاهدتي مؤخراً لفيلم عرضته قناة (ناشيونال جغرافيك) عن حياة ومغامرات أحد الشواذي، وسخريته من أحد افتك حيوانات الغابة (النمر)، أجد نفسي مضطراً للاعتذار من هذا الحيوان الشجاع والجريء نيابة عن كل سكان هذا الوطن القديم، والذي لم تمنحهم الأقدار فرصة التعرف عن قرب على هذا المخلوق ومواهبه المتعددة، المغايرة لما هو شائع عنه بيننا من صفات رذيلة. الكثير من العبارات الظالمة شائعة بيننا، لا تتعلق بذلك الحيوان البريء وحسب مثل (هذا فد واحد شاذي) بل تتعرض للشعوب الاخرى والاستهانة بقدراتها الحقيقية مثل عبارة (قابل آني هندي) وغير ذلك من العبارات والامثلة البعيدة عن الحقيقة والانصاف. المعطيات جميعها سابقا ولاحقا تؤكد غربتنا الهائلة عما يحيط بنا من انماط للعيش والتفكير، فلا همومنا لها صلة بما يشغل سلالات بني آدم اليوم، ولا اهتماماتنا تليق بتحديات ما صار يعرف بعالم القرية الكونية.
بالرغم من الشحنات الصادمة التي حملها مشهد انتشال جرذ الضرورة من حفرته الاخيرة، لا لأتباعه وحسب بل لقطاعات واسعة من متابعي المشهد الغرائبي لما بعد زوال النظام المباد؛ الا انها وغيرها من احداث ووقائع ما بعد “التغيير” لم تترك أثراً على سلوك وممارسات شرائح واسعة من الذين تعرضوا طويلا لاشعاعات حقبة المسخ الشامل تلك، ومن يتابع سلوك هذه المخلوقات ورشاقتها في اعادة انتاج ما ادمنوا عليه من فولكلور غنائي وراقص على نفس الايقاعات السابقة، وهذه المرة لمخلوقات تحاول عبثاً سد الفراغ الهائل الذي تركه (القائد الضرورة)؛ لا بد من ان ينتابه القرف من مثل هذا السلوك المهين لأبسط خصائص الشواذي لا البشر..!
نحن لا نعاتب من لم يعد يجيد غير مهنة التملق والتزلف لمواصلة حياته وكسب رزقه، فالوقت قد فاتهم ولم يعد بمقدورهم مواجهة تغيير مسار (من شب على شيء شاب عليه)، لكن عتبنا على من يدعي معارضته لسلطة العبودية والاستبداد وفضلات دمارها الشامل تلك، وموقفه لا المتخاذل من استرداد تلك الممارسات لمفاتنها وحسب بل الاستثمار فيها ومدها بما تحتاج اليه من امكانات وغطاء شرعي، بوصفها من ثوابت فولكلورنا الوطني. عندما نكتب مرارا وتكرارا عن التغيير، بوصفه جوهر ثقافي وقيمي بالاساس، ولا وجود لاي امكانية واقعية للتغيير أو الاصلاح من دونه، فذلك يستند الى وعي بحجم الخراب الذي لحق بهذا الحقل الحيوي، والذي من دون ترميمه واعادة التوازن اليه، لن نحظى بفرصة الالتحاق بركب الامم والدول التي أكرمتها الأقدار بشرعة الاعلان العالمي لحقوق الانسان وباقي المواثيق والمدونات التي أنتصرت للبشر. من أجل النهوض مجدداً لابد من التصدي لكل ذلك الارث المسؤول عن مسخ وتدمير أهم خصائصنا كبشر، اي شخصية الانسان وكرامته وحقوقه المتظافرة وحقوق وحريات الآخرين، وعلى رأس ذلك موروثات وعقائد الكراهة والخوف المترسبة عميقاً في تصرفات وسلوك شعوب وقبائل مضاربنا المنحوسة.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة