الرواية.. بين همّ الكتابة والاستسهال

محمد حيّاوي
طالما شكّلت دور النشر الرصينة، على قلّتها في عالمنا العربي، حاجزاً أو جدار صددّ مُتقدم ضد الركاكة وسهولة التأليف والاسفاف، وبقدر حرص الكاتب على أدبه وتطوير تقنياته وسعيه للتفرّد بتجربته الكتابية، بقدر ما هو بحاجة ماسّة إلى من يحمي تلك التجارب من الخلط وفوضى النشر ومجانيته في بعض الأحيان. ان عملية النشر والتوزيع بحد ذاتها ينبغي ان تحكمها اخلاقيات معينة ومتطلبات مهمة لا تستقيم من دونها، مثل لجان القراءة الخاصّة والمحترفة التي تحدد صلاحية النص وامتلاكه لشروط النشر وفرص الرواج، وهي شروط تختلف من دار لأخرى، لكن في المجمل تتلخص بالمتانة والحرفية العالية والابتكار، المحرر الذي يراجع النص ويشذّبه من الأغلاط اللغوية والنحوية ان وجدت، إضافة طبعاً لاعتبارات تجارية لا بد منها بالنسبة للناشر الذي يخاطر باستثمار نقوده في كتاب ما.
وفق هذا المنحى أستطيع أن أشير إلى تجربة مجلة الآداب العريقة في الستينات والدور الرائد الذي لعبته في وضع معايير نقدية صارمة وارساء تقاليد أصيلة، حتّى بات الفضل يعود إليها تحديداً في ترصين ما سمي لاحقاً بجيل الستينات الأدبي المتميز عربياً. ونظراً لهشاشة وعدم تماسك الحياة الأدبية في عالمنا العربي المعاصر، فان حماية الأدب الحقّ والتجارب المضيئة منه ووضع معايير واخلاقيات محدّدة بات ضرورياً في ضوء الانفتاح الكبير على كتابة الرواية مثلاً، سواء كان ذلك الانفتاح بسبب قدرتها الفذّة على استبطان المتغيرات المجتمعية المتسارعة، أو بسب الجوائز التي باتت تخصّص لها، حتى بلغت المشاركات في جائزة كتارا لهذا العام، على سبيل المثال، أكثر من 750 رواية مخطوطة. وإذا كان النشر محكوماً بعدد من الاشتراطات المعروفة، فان المشاركة بالجائزة ماتزال مفتوحة لكل من يرغب من دون شروط تذكر، الأمر الذي ولّد ضغطاً على لجان التحكيم العاملة واشغلها بعملية فرز الغث من السمين وشوّش المشهد الروائي بشكل عام.
إن ترك أمر المشاركة مفتوحاً على عواهنه بهذه الطريقة من شأنه نشر الفوضى وتبديد التجارب المستوفية للشروط الإبداعية بالتأكيد، ولعل الأمر بالنسبة لجائزة البوكر العربية أقل وطأة كونها ربطت عملية الترشيح بالناشرين وبالتعاون والتنسيق مع المؤلفين، إلا أن الأمر بالنسبة لجائزة كتارا مازال غير واضح المعالم طالما المشاركة مفتوحة للروايات المخطوطة إلى جانب المنشورة، ولا بدّ من معيار اجرائي ما يمكن الاحتكام إليه، فليس من المعقول ان يُكتب في سنة واحدة كل هذا الكم الهائل من الروايات الذي سيشوش المشهد ويضيّع جهوداً استثنائية مضنية لعدد كبير من الروائيين العرب، وليس هناك أمة على وجه الأرض قادرة على انتاج كل هذا الكم من الروايات خلال سنة واحدة في الحقيقة.
إن عملية كتابة رواية ما حالة خاصّة جداً، وهي نوع من الهمّ والنكد والمعاناة العميقة والمؤذية لا يعلم بجنونها إلّا من ابتلي بها، أقصد ابتلاءً حقيقياً وليس من باب التسرية أو السعي وراء الجوائز.
وإذا كانت النظرية التي تقول ان الأدب الجيد سيظهر في المحصلة هي نظرية صحيحة، إلّا ان مثل هذا التشويش والخلط قد يحرمنا من عشرات التجارب الناجحة التي لا تحظى بفرصة للقراءة، كما يضع المتتبع للرواية العربية، من المهتمين والمترجمين والمستشرقين في حيرة من أمرهم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة