معتصم الذي يرسم بماء الدمع

عن أيام لا تمحى و مناضل لا ينسى:
إسماعيل زاير
لم يتح الزمن لشخصية معتصم عبد الكريم ان تتوهج بنورها الداخلي كفاية وأن تصل الى مداها الحقيقي وبالتالي فهو تجربة لم تكتمل اغتالتها الفاشية الصدامية ضمن ما اغتالت من قيم واشخاص وتقاليد .
وقد حالفني الحظ ان اكون مع الشهيد معتصم منذ البداية تقريباً . فقد انخرطنا عام 1972 معاً في معهد الفنون المسائي الذي كان قوام تلاميذه آنذاك خليطاً غريباً من الشخصيات التي تجمع ثلاثة أجيال واكثر من نوع بشري واحد.

معتصم ومعهد الفنون
كان فينا ضباط في الجيش وقضاة وموظفون يتطلعون لقضاء وقت ممتع لتلبية هواياتهم الفنية قبل ان يمضوا الى تقاعد مريح ، يرغبون في امضاء بعضه في ممارسة متعة الخلق الفني عبر دراسة اكاديمية متوفرة . وكان فينا مشعوذون صاخبون لا يجمعهم بالفن الا رغبة شخصية ساذجة تفتقر الى السند الحسي والثقافي وتعد الدراسة نوعاً ما من انواع الولوج الى عالم اكثر تحضراً يضم فيه الفتيات اللواتي هن هدف غير مباشر للعلاقات الاجتماعية المحتملة . وقد يرغبون في ترقية مكانتهم كمعلمين او اداريين او بعثيين او اصحاب مشاريع مرتبطة بالرسم .
وفي الطبقة الثالثة كانت هناك مجموعة ممتازة من الطلاب الذين جاءوا وهم يعرفون بنحو واضح ما ينتظرهم وما يريدون ان يحققوا في الدراسة المسائية حيث لا تسمح لهم ولم تسمح بتلقي التدريب التقني على العمل الفني بنحو منهجي . من هؤلاء كان معتصم والى جانبه اربعة تلاميذ ثلاثة منهم خرجوا الى ساحة التشكيل العراقي الفسيح وشكلوا تجارب لائقة بهم وتميزوا اما الرابع فقد اخذته الأقدار الى المجهول واختفى .
الى جانب هذه التشكيلة ومن ضمنها خمس او ست نساء شجاعات كن يضعن انتماؤهن الى المعهد موضعاً جاداً كل الجدية ويعدّن مجرد وجودهن مكسباً انسانياً كبيراً لهن ومنطلقاً للحصول على التقدير والاحترام من قبل المحيط الاجتماعي .
خليط عجيب من الأساتذة
اما المدرسون فكانوا انواعاً متعددة لا تمت تجاربهم الى ما يصل الى تجارب منهجية ناجحة يمكن اعتمادها كمنطلق للوعي التشكيلي الحقيقي . كانوا كأنهم معلميو مدرسة مسائية في مدينة متوسطة الحجم . ومع ذلك كان هناك وميض من المهارة لدى هذا الأستاذ او ذاك ونبرة مميزة في اللون او في الشكل او في التقنية . بكلمات قليلة كان المدرسون ، ما عدا اساتذة الغرافيك ، مجموعة فنانين شبه متقاعدين او شباب لا يمتلك خبرة ولا موهبة مميزة او متحذلقين من ذوي الطموحات الخاصة . ومع اننا بداية السبعينيات عندما دخلنا الصفوف الأولى للدراسة كنا مستقطبين للفكر الثوري ولبعضنا تجارب معبرة الا ان الوجه العام للدراسة كان مملاً الى اقصى قدر حيث افتقرت ادارة المعهد الى أي روح للمبادرة والإمكانات المادية والعملية . ببساطة لم تكن لمعهد الفنون الجميلة الروح التي كانت له في البدايات عند تأسيسه . كما لم يكن للبعثيين ذلك الوقت أي دور او مكانة في الساحة الفنية وظلوا كذلك الى أن مات نظامهم وانتهى .

دروس صغيرة وآمال كبيرة
كنا انا ومعتصم من المعروفين بميولنا اليسارية ونشكل الى جانب بضع عشرات من التلاميذ من مجموع أربع مئة تقريباً في المسائي قوة ضاربة تنطوي على الموهبة والثقافة وقوة الاعتبار الشخصي . ومن هنا تصاعدت متاعبنا مع البعثيين الذين عملوا في الدراسات المسائية كمنظومة امنية مرتبطة بأجهزة الدولة تكتب التقارير عن الطلبة اليساريين وتشدد النكير عليهم من خلال الضغط على الإدارة لطرد أي واحد منهم لأسباب ادارية .
كانت مناقشاتنا انا ومعتصم ومعنا الفنان الممتاز « ظافر « الزبيدي كما اظن والمقيم اليوم في اسبانيا ، والذي كان بمنزلة آذاننا ومجساتنا لأنه يعمل ضمن المنظومة البعثية بطريقة غريبة بحيث يعدونه منهم وهو بعيد عنهم بعد السماء عن الأرض . معتصم كان ذا شخصية هادئة منظمة ومهذبة قريبة الى القلب . قراءاته محدودة ولكنها حادة المعنى وبراغماتية لا تأخذه الى الضفاف العقيدة الشيوعية التي ينتمي الى حزبها بل الى الضفاف الإنسانية لتلك العقيدة ولكل عقيدة أخرى عدا البعث .
ولكن معتصم في العمل كان تلميذًا إنموذجياً لا يفوت درسه ولا يستخف بعمله . وكان يستخلص الضروري من كل جلسة عمل ويضعها في مناقشات محتدمة وجادة في موضعها من البنيان الصلب للثقافة الشخصية .

شبح البعث والمخابرات
بيننا كان ثمة جدار ينهض ويقلقني وهو انه كثير الغياب ومع كل عام يتفاقم الجدل حول بقائه في المعهد . كنت اعلم انه يعمل في صحيفة الحزب « طريق الشعب « ومجلته « الفكر الجديد « كما ان له واجبات حزبية ومهمات يتطوع اليها عن طيب خاطر . في حين كان علي وانا الذي ما زلت خلاصي من المؤسسة العسكرية ان استنفد كل ما لدي للحصول على الدبلوم والتعايش مع السفاهات البعثية من دون تعريض مصير دراستي للخطر . وكنت ادرك ان عمر بقائي في البلاد تحت سيطرة البعث تتضاءل والحال انني كنت في سباق شخصي ووجودي مع الزمن . لم يصمد معتصم حتى نهاية سنتنا الثالثة واختفى في لجة القضايا الحزبية التنظيمية وسط اشتداد القمع واقتراب حلقات الضغط من كل فرد بعد تشبيك المجتمع العراقي بنسيج من اجهزة الأمن والمخابرات والمراقبة والتعقب ومن ثم الاعتقال والتسقيط او القتل . خلال تلك السنوات كان معتصم يرافقني لبيتي ويسهر لاستكمال المشاريع والمناقشات . ولكنني كنت اشعر ان موهبة معتصم الفنية لم تأخذ فرصتها وتأخذني غصة وانا افكر في احتمال ضياع هذه الموهبة التي تذكرني على الدوام بجواد سليم الفتي او تعرضه للخطر .
كان طريقاً مريراً اوسط السبعينيات حيث نصارع جبهة سياسية شكلها البعث والشيوعيون فيما منجل القتل والتصفية يتسارع في حدة ضرباته الموجعة حاصداً الحياة والآمال . معتصم كان مهتماً بمساعدة الآخرين وليس نفسه . وبقي ارتباطه بالفن عبر التجربة الفنية والتقنية لدى مؤسسات الحزب الفنية فقط .

عصابات مخابراتية يقودها مسرحي
قبل مغادرته المعهد كان البعث قد صعد تصديه لغير انصاره في المعهد بحيث شكل مجموعة تعتدي بالضرب على النشطاء . قاد هذه المجموعة احد تلاميذ المسرح المعروفين بقوة الحسد والميل الى العنف . ظل هذا المجرم يلاحقنا كل يوم وترصد خروجنا ويعمل برفقة مفرزة شرطة ومخابرات تحمل اوراق اعتقال بين آونة وآونة أخرى . على يدي هذا المارق الذي يحمل الدكتوراه اليوم ويعمل مخرجاً لبرامج سعد البزاز التافهة في قناته : الشرقية ، اعتقل الشهيد عادل الشعر باف وشقيقان رائعان هما دريد ولؤي ويؤسفني عدم معرفة كامل هويتهما وتمت تصفيتهم . طاردنا هذا الدكتور انا ومعتصم وآخرين ذات مساء عند دخولنا جمعية الفناين ولم ننج من الاعتقال الا بتسلقنا السياج الخلفي للبناية .
بعد اختفاء معتصم جرى اعتقالي بمعدل مرتين في العام ولكن لم تكن هناك سوى شكوك من دون تهمة محددة لأنني اوقفت قبل سنوات أي نشاط لي . فأعود الى المعهد وانا اتضرع الى الرب ان لا يرقن قيدي او يتم فصلي.
في السنة الخامسة ضاع معتصم في المجهول ولم اعد اقتفي اثره سوى اني أرى له بعض الرسوم الممتازة في الفكر الجديد . ابعدت الى كركوك مع منع التواجد في العاصمة قبل شهرين من نيلي الدبلوم . تحايلت بطريقة لا مكان لذكرها هنا . وحالما حصلت على الدبلوم حان وقت الرحيل لا سيما مع صدور مذكرة توقيف ابلغت من مصادر خاصة بي بأنها النهائية .

الطريق الى الجبل
التحقت برفاق النضال في كردستان وواصلت عملي ضد الدكتاتورية حتى اطل معتصم ذات يوم من ايام 1979. كان على قصره يحمل بندقية برنو . وكان وضعي القيادي هناك يتيح لي ان اطلب السماح من الحزب الشيوعي لمعتصم بمرافقتي في جولاتي فقد كنت اريد ان استمع الى روايته عما جرى . استبدلوا اسمه واعطوه اسم « ابو زهرة « ومنحوه الإذن بجلب كل انسان يريد الصعود الى الجبل وانقاذ نفسه . كان يمضي اسبوعه ذهاباً وإياباً الى بغداد ومعه واحد او اثنان من المساكين الذين ضيق اشاوس البعض عليهم سبل العيش والاحتفاظ بكرامتهم . وقد استشهد لاحقاً وهو في طريقه الى مقتربات الداخل في معركة قرب قرية قزلر الكردية .
في اثناء تلك الجولة اراني ما يرسم وانا بدوري اخذته لأريه مسرح نشاطي ومعارفي والأبطال الاسطوريين في كردستان . لم يكتف بمجالستهم بل رسمهم.. وآ أسفاه فقدت تلك الرسوم.
انتقلت بداية 1979 بعد اصابتي الى العمل في بيروت ولكني لم اتوقف عن زيارة كردستان . في ثالث زيارة بعد لقائه عرفت انه استشهد . طلبت رسومه من صديقنا المشترك النحات مكي حسين الذي اسهم معتصم في اخراجه الى الجبل . اعطيتها وحملتها الى مجلتنا البديل التي اصدرها المثقفون الديمقراطيون والتي كنت كتبت عنه فيها ومن ثم قدم الأستاذ صادق الصايغ معتصم بحلة كاملة وتعليقات عميقة اذكر منها قول صادق : انه يرسم بماء الدمع..
فعلاً انه يرسم بماء الدمع ..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة