القوّة الناعمة للترجمة العراقية

محمد حيّاوي
ثلاث أديبات عراقيات دخلن من نافذة الترجمة إلى باب الأدب ليُبدّدن الصورة النمطية للأديبة العراقية ـ المرأة، التي طالما ترسخت وفق نظرية الكاتبة المرأة التي ينبغي ان تُعامل برفق وعناية للأخذ بيدها من أجل الجزء المُكمّل لصورة الأدب الذي يهمين عليه الأدباء الذكور.
وعلى الرغم من ان سمعتهن كأديبات ومترجمات مرموقات سبقتهن في المحافل الأدبية والثقافية العربية، إلّا انّها ظاهرة نادرة الحدوث، لا سيما لجهة ندرة التواجد بسبب البعد والعيش أما في العراق شبه المحاصر أو في الشتات الذي يصعب معه التلاقي والتفاعل مع منجزهن الإبداعي. وبذلك يشكّلن ما يشبه الموجة الثانية من المترجمات العراقيات المعروفات منذ سبعينات القرن العشرين، من امثال ابتسام عبد الله ولطفية الدليمي وغيرهن.
حضورهن المفرح هذا نتيجة لحضور كتبهن المهمة يطرح بقوّة تساؤلات بشأن مدى اخلاص الكاتبة ـ الآنثى للأدب أكثر من زميلها الكاتب ـ الرجل.
أولهن الكاتبة والمترجمة المرموقة عن الفرنسية الدكتورة هناء صبحي، استاذة الأدب العربي في جامعة السوربون العريقة والمتعاقدة مع دار كلمة الاماراتية منذ سنوات والمشرفة على مشروع ترجمات مختارة من الأدب العربي إلى الفرنسية وبالعكس، لا سيما ترجمتها لرواية ميشيل بوتور «التحوّل» التي صدرت عن دار كلمة بطبعة ضخمة وانيقة، بالإضافة إلى عملها المهم في صالون المنتدى الأدبي الاماراتي الذي يعمل بالتنسيق مع منظمة اليونسكو. الأمر الذي عزز مكانتها المرموقة في عالم الترجمة من وإلى الفرنسية.
في الوقع طالما اعتقدت بان الانتماء أو المناطقية لا تشكّل دافعاً معيناً لتأصيل التجارب الأدبية، لكنّني اكتشفت من خلال لقائي بهناء ان تلك الابعاد العاطفية والارتباط الروحي بالوطن قد تكون محفزاً من نوع ما غير مباشر أو محسوس للتفاعل مع التجارب الإبداعية الوطنية، لا سيما إذا كانت تلك التجارب ممتلكة لشروط الجودة والإبداع الحقيقي. الاعتقاد الخاطئ الثاني الذي تبدد هو شبه قناعة مسبّقة بعدم قدرة المثقفين العراقيين على العمل الجماعي وتقديم بعضهم البعض والاحتفاء بتجاربهم، فقد اثبتت التجارب واللقاءات الأخيرة ان المثقف العراقي يمتلك حضوراً مرموقاً وثقة عالية بالنفس، لا يجامل ولا يحابي، ويتمتع بالذكاء والخبرة الميدانية إن جاز التعبير، في فرز الأعمال والتجارب المتميزة والعمل على دعمها وتقديمها والافتخار بها امام الآخر.
الكاتبة والمترجمة المرموقة الأخرى هي خالدة حامد، الحاضرة بواسطة كتابها المهم «غبش المرايا.. فصول في الثقافة والنظرية الثقافية» الصادر عن دار المتوسط، وهو مجموعة كتابات ومقالات لأدباء مهمين ومختارين بعناية فائقة مترجمة عن الآنجليزية، والملاحظة التي تبعث على الفخر هي انتشار هذا الكتاب وسمعة المترجمة في الأوساط الثقافية العربية أكثر مما هي عليه في العراق نفسه الذي تعيش فيه المترجمة، ولم تمنع عزلتها شبه القسرية أدبها ومنجزها المرموق عن الحضور في المحافل الثقافية في أبو ظبي والقاهرة وتونس وغيرها من العواصم الثقافية، التي كُتب في صحافتها الكثير عن كتابها ذائع الصيت.
الكاتبة والمترجمة الثالثة التي لفتت الانتباه في الآونة الأخيرة بواسطة كتابها هي ميادة خليل، التي عرفت بنشاطها في مجال الترجمة قبل أن تهدي الحياة الثقافية العراقية والعربية روايتها المهمة «نسكافية مع الشريف الرضي» الصادرة أيضاً عن دار المتوسط، التي لاقت استحساناً ملحوظاً سواء في العراق أو في معارض الكتاب الأخيرة، وهي واحدة من التجارب الروائية المهمة التي تتحدث عن المرأة العراقية في الغربة وتستبطن همومها واوجاعها وانفعالاتها النفسية المريرة والعميقة بطريقة مبتكرة، لا سيما لجهة اللغة المتينة والشعرية العالية التي انطوت عليها الرواية.

*عن العرب اللندنية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة