الأخبار العاجلة

دهاقنة الخراب

معتز رشدي
مرة أخرى، وأخرى، وبتعمد لا يُخفى على أحد، تزيح هوساتنا الرثة، ولعلعة التفك الصماء، صوت المثقف، وسؤال الثقافة، لصالح غبار معارك لا يُراد لها ان تنجلي، أو تهداً؛ إذ كل شيء في خدمة المعركة.. المعركة بين مهزومين لم يُكتب النصر بعد لاحدهما على خصمه، ولن، وحتى لو انتصر احد المتقاتلين، فسرعان ما سيبحث عن خصم جديد يُزيح، به، سؤال المثقف النقدي، إلى هامش مُلطخ بدم المعركة. ما الذي بقي من حداثة القصيدة العراقية المثقلة باسئلة الوجود، أمام سيل القصيدتين الشعبية والعمودية، وقد بلغ صوتاهما، بفضل اشتداد وطيس المعركة، اقصى درجات الزئير الذي باركه حاملو مباخر المعركة؟. هل كُتب علينا الانقراض؟، أم ترانا سنوضع في اقفاص، ويُدار بنا وسط اهازيج الصبية، وصفكات نجوم عصرنا الطائفي السعيد؟، هل نترك البلاد لهوساتهم العتيدة، بحلتها المقدسة الجديدة؟، أم نصر على بقاءٍ أبوابه، كنوافذه، على حائط مرسومة؟. لقد فقد كل سؤال معناه في حضرة سادة البلاد الجُدد؛ ما الذي يمكن قوله لبرلماني، برمائي، مالكٍ لجنسية اكثر من بلد، يقبض عشرات آلاف الدولارات، شهرياً، من بلدك، وهو ساكن في قصر، في بلد آخر؟، ما الذي يمكن كتابته عنه؟، هل تعني، له، الكتابة، عنه، وعن افراد عائلته البرمائيين، مثله، والذين يحتقرون التكلم بالعربية، شيئاً؟. كنت وددت كتابة مقالة عن الراحل سركون بولص، ولكن قلمي قادني، كما يقود الظلامُ سائراً في نومه، إلى الكتابة عن من أفرغوا سؤال الكتابة من كل معنى. لقد تمكنوا من صنع أجيال على شاكلتهم، أجيال ليس يملك أفرادها من مصادر المعرفة سوى ما يتيحه لهم ساسة البلاد الجدد، ولكن ليس قبل افراغ جيوب افرادها من آخر فلس فيها!، أي إنها معرفة المُضَلل المُعدم، الذي لا يملك، بعد تعطيل عقله، من أمر معرفته شيئاً، معرفة ضررها عليه، ومردودها، الذي اُتخمت منه أمعاء بنوك العالم، لغيره من آكلي السلطتين الدينية، والروحية. وعليه؛ ما معنى الكتابة لقارىء معطل العقل، ومسروق الروح، كهذا، ان انت حدثته عن آثار سومر أو نينوى، أخرسك بضحكة ساخرة مديدة، ولكنها ليست أشد سخرية من الضحكة التي تُطلقها أنت نفسك في كل مرةٍ تقع فيها عيناك، على وجه من وجوه دهاقنة البلاد السعيدة في عهدها الشعبوي الجديد؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة