فقه الجنون

عندما يلتقي الشتيتان؛ الفقه (استعمال العقل) ونقيضه الجنون (العقل المعطوب) تتعرف البشرية على اعتى وابشع اسلحة الدمار الشامل، ومن سوء حظ مضاربنا المنحوسة، انها ابتلت باحتياطات هائلة منهما (الفقه والجنون) تتحدث الاحصائيات الرسمية عن ملايين من شريحة “المسودنين” بين ربوع “خير امة” ومنهم من تبوأ مناصب ومسؤوليات حساسة في امورها وشؤونها الدنيوية والأخروية. أمة صارت تحتفي بالجنون واهله، وتعده من ثوابتها الجليلة. ان جريمة فلوريدا والتي راح ضحيتها العشرات من الذين القاهم حظهم العاثر في ذلك المكان والزمان، بطلها شاب اميركي من اصول افغانية، جنده تنظيم داعش لتنفيذ تلك الجريمة البشعة، كما غالبية الجرائم التي شهدها العالم في الاعوام الاخيرة. تقول طليقته عنه، ان زوجها السابق (عمر متبن) والذي لم يستمر زواجها منه اكثر من اربعة اشهر؛ كان مختلا عقلياً. اي انه الطريدة التي تبحث عنها داعش وبقية العصابات الاجرامية، خاصة وان داعش تملك الترسانة الاكبر من فقه وخبرات الاستثمار في حقول الجنون.
الجنون وحده، مرض كبقية الامراض له اسبابه، وله سبل لعلاجه أو التخفيف منه، وقد شهد الطب تطورا هائلا في مجال علاج هؤلاء المرضى، غير ان الامر في مضاربنا اخذ منحى آخر، بفضل وهمة فرسان “الصحوة الاسلامية” والتي وضعت نصب عينيها مهمة استرداد الفردوس المفقود (الخلافة) ومآثر الاسلاف، من دون خلق الله، لذلك وجدوا في مجانين الامة الأمل المرتجى لعودة مؤمياءاتها الجليلة. هذا الفقه المعطوب هو المسؤول عن تفخيخ اجساد وارادة المرضى النفسيين، هذا الفقه المسودن هو من يقف خلف هذه الانتهاكات والجرائم بحق عيال الله من شتى الرطانات والأزياء والألوان. وما جريمة فلوريدا الاخيرة الا مثال آخر على خطورة وهمجية مثل هذه الاستثمارات، والتي تقتضي من المجتمع الدولي وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية، اتخاذ مواقف أكثر جدية وشجاعة لمواجهته، عبر تجفيف ينابيعه وخطوطه الخلفية المعروفة جيدا لدى اجهزتهم السرية ومراكز بحوثهم الاستراتيجية.
شبكة واسعة ومعقدة من المصالح والقناعات، تقف خلف كل هذه الغرائبية في المشهد الراهن، تحتاج من المجتمع الدولي التعاطي بحكمة ومسؤولية مع مثل هذه الظواهر، خاصة وان القوى العظمى وصراعاتها السابقة واللاحقة غير بريئة عن كل ما حصل ويحصل من جرائم وانتهاكات. ان زمن الحرب الباردة انتهى وعلى فلول تلك الحرب والمسكونين بعجاجها، الكف عن محاولاتهم لاستنهاض الحرائق من تحت رمادها (فمعظم النار من مستصغر الشرر) وعليها اليوم مواجهة فواتير ذلك الماضي، وما جريمة فلوريدا الاخيرة الا نتاج لذلك التمويل والتخصيب ونشاط المختبرات التي اعادت انتاج قوافل (المهاجرين والانصار) على الاراض الافغانية والباكستانية نهاية السبعينيات من القرن المنصرم. مثل هذه الجرائم لن تنتهي عبر الحلول العسكرية والامنية، كما كشفت تجربة الاعوام الاخيرة من غزوة منهاتن الى باقي الغزوات، ما دامت الشروط والمناخات المساعدة لها باقية وتتمدد، ولا يحتاج خبراء الامن الدوليين واباطرة مراكز البحوث الى جهود خارقة كي يسبروا غور واعماق هذه الانتهاكات لأمن واستقرار المجتمعات والدول، لا عليهم سوى تفحص عينة عشوائية مما تدرسه مؤسسة عريقة تعرف بـ “الاعتدال” كالازهر، ليعرفوا سر حيوية وديمومة كل هذا الجنون المتشبث بعروة الفرقة الناجية وموروثاتها من الروايات والسرديات شديدة الانفجار..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة