الأخبار العاجلة

وظائف الإشارة وتمثيل الوقائع

زياد جسام في سيمياء التدوير
خضير الزيدي
إزاحة أخرى من متبنيات وظائف الفن، يعمل عليها زياد جسام ،وهو خروج تعبيري. فاجأ جميع من واكب متابعة معرضه المقام مؤخرا، على قاعة برج بابل، في الثاني من هذا الشهر. ضمن معرضه الشخصي، الذي احتوى مجموعة من الأعمال الفنية والفن التركيبي في رؤية يستحوذ عليها طابع سياسي اجتماعي، مكن خلاله اعتماده فكرة التدوير التي ترافق بعض السلع والحاجات المنزلية أو التجارية. وهذا الاعتماد ،ارتكز على أسس وخلفية بنائية، تقوّم من مصدر الفعل ورده نفسيا. وبقدر ما تنطوي فاعلية اللوحة مع علامة التدوير على موقف انفعالي، يجاري حياتنا، فان سيمياء الإشارة، لم تكن تحت طائلة الإرث الوجداني فحسب، بل بدأت تتجه لاكتساب أسلوب آخر، يضاف لجهده الفني بعد أن وظف لنا حساسية تعبير القبلة ،والجو الإنساني في معرضه السابق، سواء في باريس أو لبنان. ولكن الأمر اختلف جذريا هنا ،في معرض الموسوم إعادة تدوير فما الذي يود قوله لنا ؟ بداية علينا أن نعي بان هذا الفنان يجابه حالة التكرار، في حياتنا، وهو التكرار الممل، الذي يلخص وقائع عالم الأحداث ورمزية السلطة، وقطيعتها مع المواطن، وبقدر ما تهمش السلطة أية إضاءة لروح ثورية في الإنسان وتمرده، فان طريقة تقديم فكرة تدوير الكرسي، والاحتفاظ بقيمه السلطوية، وبواعثه الداعمة للوصول لمراكز صنع القرار، فان وحداته وعلاقاته في العمل التركيبي والرسم التعبيري لهذا المعرض، شخص موقفا ثقافيا لرجم رحم ما يتولد ويتكرر جراء طريقة التدوير. هذا من جانب الأمر الآخر استحوذت فتنة حركة (الرمز التدويري ) خلفيتها، في هيمنة واضحة، مع كل عمل .فماذا يمثل سياقها الصوري لأشكال مختلفة ؟..انه التجاذب والتوازن لغطاء مفاهيمي يؤدي وظيفته الصورية بواجهة دمج الحسيات مع اليقين. مع ما يتلمسه الإنسان، من انكسار يومي، وبقدر ما يستدعي رمز (التدوير) بحركته من اليمين نازلا حتى عودته ثانية لمناطق الحركة، فهو سلب لإرادة الإنسان ورتابة تجابه مصيره هذه المظاهر الصارخة هي بؤرة مركزية .تستدعي يقين المتلقي لرؤية أعماله، ولعل هوس زياد جسام إنسانيا بما يحدث من حراك يولد الإثارة، قاده ليلفت أنظارنا إلى تحقيق سيمياء خاصة .أكثر انسجاما مع ما يدور في داخل أنفسنا. أو في المرويات الشفاهية اليومية التي تدور بيننا، لقد بين لنا نسقا إيضاحيا وجعلنا نراقب تجلياته، وهو بحد ذاته .إشارة لفاجعة تذهب بنا لمجهول أكثر عمقا في درجة تمثيله ،هذه الإضافة الجديدة، في وحداته الصورية وتركيزه على متعالية بصرية تنهض بإشاراتها الصريحة، تجعل خطابه الصوري يحقق فرادة ونموذجا وسطيا بالاعتماد على قيمة ودلالة توظيف رمز التدوير. وتجانس توصيفاته الحاصلة جراء المدلول وعليه يسمح لعامل البعد الهندسي أن يطفو في السطوح التصويرية، مقابل تعاظم بنائية اللوحة ،وأشير هنا لإمكانية تحقيق فاعلية التأثير في المتلقي لمثل هكذا أعمال ،غايتها تحديث اللوحة بسياق المتخيل من تمثيل (الرتابة..الأسى الخ…) شخصيا كنت أراقب عن كثب تمثيلاته البنائية والوظائفية. واعتقد إنني أشرت لتحولاته الأسلوبية بين فترة وأخرى. وعدم الاستقرار هنا. نتاج طبيعي لعقلية وذائقة متحركة، يملكها زياد ، وهي ذهنية ترفض الجمود، وتشير لمتحركات يومية. سواء بلمسات البعد الإنساني، مثلما فعل في توظيف القبلة، أو اختراق لثوابت الاضطراب اليومي. مثلما فعل في معرضه الأخير ،انه يجلب النضارة لأعماله، ويسعى لتزويدنا معرفيا بسيميائها، وبقدر ما تتحكم عضوية الوحدات وانسجامها مع الدلالة المرتكزة في اللوحة. فالشرط المتمثل لمتلقيه ليس في الصدمة. أنما في وقوفنا عند بصائر تدوين الحياة والإشارة لدلائلها المشخصة..لقد صرحت لوحاته بما يجول في أنفسنا من أن الحياة عبارة عن إعادة وتكرار وكأنه يريد القول ( وتلك الأيام نداولها بين الناس) بصخبها وحزنها ..فرحها ومأساتها التي تتكالب علينا مثلما تعود ذات الوجوه لتعتلي مناصبها المختلفة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة