شمس المعرفة وفضاء الحرية

مهند النابلسي
«كان يركض ليسبق عصره»!

تطرح الدكتورة كريستين نصار في كتابها (كيف نتعامل مع أطفالنا اليوم؟) جملة أفكار تطبيقية تفيد المربي العربي في مواجهة تحديات العصر . فالانسان العربي يعاني من قصور تربوي هائل. والتربية العربية مسؤولة عن عجز الافراد عن تحقبق ذواتهم، ومن ثم عن احداث التطور الضروري في مجتمعاتهم. وهنا يكمن دور المربي الماهر في مساعدة الفرد على بلورة انسانيتة وتجسيدها عمليا ليصبح انسانا بالفعل لا بالقوة، بحيث يصبح قادرا على القيام بخيارات فردية مستقلة، ويكون بامكانة طبع كل ما سيقوم بة وما يقدم علية من فكر وعمل بطابعة الخاص، ومجابهة ما يعترض حياتة من مشاكل مجابهة واعية ومسؤولة. وكأمثلة مختصرة فهناك رغبة في الظهور والشهرة ليست مبنية على الابداع الناتج عن الاستعدادات الشخصية، وهناك عجز عن تقدير الصعوبات والمعيقات ناتج عن عدم التوازن مابين الطموحات والامكانات العملية، ثم ان هناك نقص في الاستعداد للجد والكد في الحياة.
تظهر الدراسات الميدانية أن العربي يتميز عموما بالقصور والعجز الشخصيين ، ويكمن السبب في نوع التربية الكلاسيكية التي ترهقة بالاوامر والمفروضات المتوجب تنفيذها، ومعظمها بالي ولا يتطابق مع مستجدات الحياة العصرية…اذ يعاني العربي من شعور انهزامي انكفائي ناجم عن انعدام ثقتة بنفسة. ونتصح الكاتبة بعدم الافراط في توجية الاوامر، وبمراعاة حاجة الطفل للعب مع رفاقة، وتطرح نموذجا معبرا لواقع ضغوطات الاهل، حيث يقول مارون عبود عن ذكريات طفولتة: «وهكذا كانت الناس حملا ثقيلا على ظهري وشريطا شائكا في طريقي، أصطدم بهم اينما اتجهت، فنشأت عبدا للناس يسيطرون علي ويسيرونني كما تشاء أهواؤهم وعرفهم وتقاليدهم، كأني لن أعيش لنفسي بل لهم، كأني مرتبط بهم بناموس أشد من الجاذبية صورة ولا أصدق عن تسلط «الانا الاعلى» وعلى الرهبة العارمة التي تملأ قلب الانسان الشرقي تجاة «القيل والقال» الذي يطالة حتى حين يكوم داخل حيطان منزلة! هكذا تفرغ الشخصية من الاشكال الابداعية التي تعني الخروج عن التقليد، لذا فكثيرا ما يبدع العقل العربي في مؤسسات الغرب الحضارية، وتنشأ هنا رغبة جماعية للقيام بثورة علمية بيضاء للخروج من سجن الجهل الى شمس المعرفة!
تسهم الذهنية القدرية- العشائرية– الميتولوجية الطابع في اعاقة البحث العلمي وفي وضع العراقيل أمام التطور الحقيقي الجوهري، كما أن الفرد العربي الكفؤ يعجز عن العمل الجماعي في بيئتة الأصلية وهو يبدع كفرد عكس الياباني الذي لا يبدع الا جماعيا! كما ان الانسان العربي يميل للنتائج السريعة البعيدة عن طول النفس والصبر والمثابرة. وبرغم وجود الالاف المؤلفة من حملة كافة الشهادات الاكاديمية والعليا الا أن الثقافة بمفهومها الشمولي لم تتكرس بعد في الفكر الشعبي عند الجماهير! كما أن توتر الانسجام الزوجي في مجتمعاتنا العربية أصبح ظاهرة من حيث افتقاد الثنائي الزوجي لأهم شرطين هما النضج الانفعالي والانسجام. والحق أن انحطاط المجتمع مرتبط لحد بعيد يجهل المرأة، ولقد انتبة مفكرعربي استثنائي لهذه الحقيقة منذ أكثر من قرن ونصف: «ان تعلم المرأة وقراءتها الكتب وتأدبها خير من تجملها وتزيينها، فان ألادب هو عصمة المرأة من ارتكاب الفساد والشر والضلال». ولا أعلم لماذا نم تجاهل الاثر الديني الفاعل في هذا السياق!
في اعتقادي المتواضع أنه كعادة معظم التربويين وعلماء الاجتماع العرب فانهم يميلون للمبالغة وجلد الذات وربما بهدف التحذير والتنوير، ولكن حتى العالم الغربي المتقدم مجازا فهو يعاني من أزمات تربوية وسلوكية خطيرة يكاد يعجز عن السيطرة عليها، على سبيل المثال كممارسات الطلبة في مدارسهم من ادمان على الكحول والجنس والمخدرات، ناهيك عن حالات الاغتصاب والقتل المريع، وعن احتقار الآخر والتمييز العنصري والديني وعدم تقبل الثقافات والحضارات الاخرى والقائمة تطول! ومن الضروري وضع أولويات عاجلة نسعى جميعا لتحقيقها: ضرورة تحرير الانسان العربي من نفسه ومن الذهنية الاستعمارية المسيطرة علية، وثانيهما وضع برامج اعلامية ذات طابع تربوي– توجيهي هادف.
لا شك أن ربيع الثورات العربية الذي كاد يتحول الى خريف بسبب التخبط والفوضى والشغب نظرا لعدم استعداد ونضوج الجماهير العربية التي ذاقت الويلات من ممارسات الطغاة الفاسدين، والتي لم تتحضر حقيقة لهذه اللحظات التاريخية، حيث حرص المستبدين على اذلالها وابقائها في دوائر التخلف والجهل، وربما آن الاوان لمواجهة المخاطر والتحديات بشجاعة ودون خوف.
ويبقى أشد التناقضات خطرا التطورالهائل الذي حققة الانسان المعاصرعلى صعيد العلم والتكنولوجيا وذلك التخلف المذهل على صعيد تهذيب الذات وضبط الشهوات والنوازع الشخصية، والحقيقة أن هذا هو التناقض الاخطر الذي يواجة البشرية حاضرا ومستقبلا، ومن الاهمية بمكان ملاحظة أن شخصية الانسان (والمقصود هنا الانسان العربي تحديدا)لا تتبلور ان لم تصهرها الالام والمصائب، لان اكتساب الالم والقضاء علية يعني تعلم الكثير واستخلاص العبر، بعكس الحياة المرفهة الفارغة من المعاني والتي تخلق ضياعا وخواء روحي وكأبة قاتلة! ولقد قال احمد فارس الشدياق(قبل قرن ونصف): «لا لذة في العيش الا في العمل»، وبالفعل فقد عبر المفكران عزيز العظمة وفواز طرابلسي اصدق تعبير عن ديناميكية هذا المفكر النهضوي الطليعي عندما قالا: «كان يركض ليسبق عصره»، وحيث تتطابق طروحاتة ومقارناتة مع كثير من الاكتشافات والطروحات الحضارية-التربوية العصرية:
• لماذا تاخر المسلمون وتقدم الغرب بانماطة المختلفة، السبب هو تقديرهم للعمل والوقت (لنلاحظ كمثال الكسل الكاسح السائد في شهر رمضان بحجة الصوم!)
• أهمية تقدير العمل عند الغربيين مهما كان وضيعا، وتركيزهم على المستقبل أكثر من الحاضر والماضي، مقارنة مع مفاهيم الوصولية والانتهازية وتفشي الواسطة والمحسوبية السائدة في مجتمعاتنا العربية!
• أما الشرط الثالث الآخر من شروط التمدن عند الشدياق فهو الحرية، أجل انها الحرية أولا وأخيرا ودائما هي التي تخلق جيلا مؤهلا لبناء الحضارة والمستقبل.

*كاتب فلسطيني مقيم في الاردن

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة