البروليتاريا الرثّة

مع بداية عصر النهضة والثورات العلمية والقيمية وظهور المدن والتجمعات البشرية الكبرى، برزت الى مسرح الاحداث طبقتان اجتماعيتان هما؛ البرجوازية (مالكي الثروة ووسائل الانتاج) وطبقة البروليتاريا (التي لا تملك غير قوة عملها). تكالب البرجوازية الصاعدة على الثروة والتنافس الحاد على امتلاك الاسواق والسلطة، فرض على باقي طبقات المجتمع وخاصة طبقة البروليتاريا على العمل بظروف غاية في الصعوبة واللاعدالة والقهر، وهذا ما دونته السرديات الابداعية الفكرية والادبية الخالدة عن تلك الحقبة. بعد الثورة الفرنسية الظافرة العام 1789 برز الصراع الطبقي الحاد بينهما، ومع انحياز افضل العقول الانسانية لصالح المطالب المشروعة لشريحة البروليتاريا، اكتسبت الوعي العلمي الذي تحتاجه في كفاحها المرير من أجل حقوقها المشروعة، وكان لكارل ماركس ورفيقه فريدريك انجلز الدور الأكبر في ذلك التطور. وكما خان عدد غير قليل من المنتسبين لطبقة البرجوازية مصالح طبقتهم وانتقلوا الى المعسكر الآخر، كذلك خان غير القليل من طبقة البروليتاريا اهداف وكفاح طبقتهم من اجل العدالة الاجتماعية، وقد أطلق ماركس مصطلح (البروليتاريا الرثة) في مؤلفه (الآيديولوجية الالمانية) والتي وصفها البيان الشيوعي بانها (حثالة الفئات الدنيا من المجتمع والاكثر استعدادا لبيع نفسها لمكائد الرجعية). وتوصف ايضاً بانها (الفئات التي هجرت الريف ولم تستطع التأقلم مع متطلبات الحياة في المدينة).
هذه الفئة من حثالة الطبقة الكادحة، لعبت وما زالت تلعب أدوارا خطيرة في تشكيل مصائر سكان هذا الوطن المنكوب بالتباس البيارغ والمفاهيم والفزعات. كانت على رأس البدايات الاولى لفتوحات (الحوسمة الظافرة) في الاربعينيات من القرن المنصرم أو ما عرف بغزوة (الفرهود) وبعد ان خفت تأثيرهم زمن الجمهورية الاولى ومشروعها لتجفيف منابع مئل هذه الشرائح المتفسخة والطفيلية، عادت وبقوة لحظة اغتيال ذلك المشروع الوطني عام 1963 بوصفها رأس رمح لتلك الردة الحضارية والسياسية، وقد تبوأ العديد من عناصرها لمواقع مهمة في ما عرف بقطعان الحرس القومي سيء الصيت، وعادوا بقوة أكبر عام 1968 بما عرف بـ (جهاز حنين) المسؤول عن ارتكاب ابشع جرائم التصفية والاغتيالات التي مهدت لظهور (جمهورية الخوف) وهكذا في الكثير من المنعطفات التاريخية التي مر بها العراق.
ان سلسلة الحروب ومغامرات النظام المباد، قد وفرت كل الشروط اللازمة لنمو وتورم هذه الفئة، وامدتها بكل ما تحتاجه من ضحالة في الوعي ومسخ في القيم الانسانية، لنتعرف بعد زوال ذلك النظام أو ما عرف بواقعة (ام الحواسم) على ظواهر ومشاهد يعجز عن فك طلاسمها كارل ماركس نفسه. خاصة وقد تلقف الغنيمة الأزلية نوع من المخلوقات والكتل تقبع مهمة اعادة الروح لدورة النشاط والانتاج والابداع المادي والقيمي في قعر اهتماماتهم، عندما هرولوا جميعاً الى المنطقة الخضراء وغنائم الرزق الريعي وفرهود الوظائف العامة والدرجات الخاصة وفردوس المخصصات والايفادات و.. مناخات وشروط حياة طفيلية واصطفافات سياسية وعقائدية؛ مهدت الطريق أمام ولادة نسخ وواجهات جديدة لهذا الطفح الاجتماعي المميت. ان الموقف الواعي والمسؤول من مثل هذه الظواهر الاجتماعية والقيمية، وتفكيكها بشكل علمي، واتخاذ القرارات الشجاعة والمنصفة تجاه ما جرى من انتهاكات خلف شتى اليافطات؛ هو السبيل الوحيد والمجرب لانتشال مشحوفنا المشترك من سيناريوهات الدمار المتواصلة منذ عقود..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة