حروب آلوهيم

(قبل ثلاثين سنة حين كنت أنظر لوجهي في المرآة أبصق، ماذا أفعل اليوم ؟)
من يعيش هذه المحنة اليوم : الحرب، حرب مع الجميع يخوضها بضراوة لا يعلم بها أحد. ولا يعرف هل هو ضد القدر أم القدر ضده، ولماذا يقتل بلاده أمام عينيه خلية بعد خلية فلا يستطيع إنقاذ طفل ولا امرأة ولا شاب ولا شيخ. مجازر يومية منذ(8 شباط 1963) وحتى الان، وربما قبلها، لا يدري، هو مجرد شاهد ثم محارب ضد الجميع : وبنفس لحظة الحرب مع القدر يحارب الحكومة والنواب والسياسيين ورجال الدين والاحزاب كلها، هؤلاء ورثوا دموية البعث القومي العربي فخرجت كل الجراثيم من وراء الكواليس الى مسرح الاحداث، خرجت من جحور غرف التعذيب والتحقيق في مديرية الامن العامة والشعبة الخامسة ومن الحاكمية والرضوانية وسجن رقم واحد وابو غريب والامن الخاص وفدائيو صدام، كل هذه الجرائم حطمت الجدران وخرجت للشوارع على شكل مهرجانات ذبح واغتيال وسيارات مفخخة وعبوات ناسفة، مرة باسم البعث ومرة باسم القاعدة ومرة باسم داعش والحبل على الجرار، طبعا يشاركهم نصف الرعب الاخر بعقيدته الملثمة. عندنا مئات الاحزاب والفرق الاسلامية، كلها تتقاتل في حرب ضروس لكن ميدان حربها قلبه حين تتطاير أشلاء الاطفال والنساء والشباب والشيوخ، وتتهدم البيوت فوق ساكنيها والمدارس والاسواق. جميع المتقاتلين ملوثة أيديهم بدم الضحايا وهم يصيحون كل واحد على حدة :نحن الفرقة الناجية. لا يدرون بأن جميعهم: الفرقة الجانية. وبنفس وقت الحرب مع هؤلاء يحارب المجتمع المتعفن بتقاليد وعادات تبوس يد القوي وتركل الضعيف المسكين الضحية. هذا المجتمع يدخل الى بيته في كل لحظة ويأمره بالاندماج فيه والاصطفاف مع القسوة والعنف ونشر الكراهية، يريد منه احتقار المرأة والتنكيل بها بدون ذنب سوى ان الله خلقها أنثى: وهي بنت صغيرة محرومة من اللعب ويجبروها لبس الحجاب ثم الزواج القسري من شخص لم تراه ولا تعرفه، ثم السجن في العش الزوجي المسموم حيث الطبخ والاغتصاب والانجاب، وعندما تموت يكتبون على لافتة سوداء أخت فلان أو زوجة فلان أو ابنة فلان، حرموها حتى من أسمها. هذا هو شرعنا وتقاليدنا وعقيدتنا ومجتمعنا، وكلهم يقولون: نحن نحترم المرأة ونقدرها، وهم يرجمون النساء الزانيات فقط ،ولم يشاهد الناس رجم رجل زاني واحد. وهكذا بنفس الوقت من حروبه كلها هذه يحارب طبقة المثقفين والفنانين، الذين تكيفوا مع الجريمة وراحوا يدافعون عن المجتمع العفن، كما يدافعون بشراسة عن الشهرة والنجومية بكل طرق النذالة والخسة، ولا يلتفتون لطفل يبيع كلينكس في الجزرة الوسطية بل يفكرون بتحويله مادة للشهرة. ولا يرون امرأة تلملم ما تجود به المزابل بل يحولونها مادة للنجومية. وبنفس الوقت وهو يحارب الجميع نراه يحارب نفسه، هو المشغول بالبكاء فقط والتذمر ولم يقدم لقمة لطفل ولا نفنوف لمرأة ولا نصيحة لشاب انتحاري ومجاهد، ولا لشيخ يجهل انه ضحية شرع بائد وتقاليد عفنة قذرة. يحارب نفسه المتكيفة مع كل هذه الخسارات والهزائم، متكيفة مع الكوارث ونزيف البلاد لكنه لم يهتف لحد الان :متى انتصر بالموت ؟
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة