الأخبار العاجلة

السليمانية والقرارات الشجاعة

يعد القرار الذي اتخذته الحكومة المحلية لمدينة السليمانية؛ في السماح للعراقيين من غير القومية الكردية بشراء الدور والعقارات في الاراضي التابعة لها، من القرارات المسؤولة والشجاعة والمتفقة مع حاجات مرحلة التحولات العسيرة والمؤلمة التي نتخبط وسط فواتيرها القاسية جميعاً. مثل هذه القرارات التي تنهض بمهمة الاطفائية الوطنية، هي ما تحتاجه اوضاعنا الحالية التي ازدادت التهاباً بفعل المواقف الشوفينية والطائفية للقوى التي تلقفت مهمة التغيير بعد زوال النظام المباد وسياساته التي حفرت اخاديد عميقة من الكراهة والحقد بين شعوب وملل هذا الوطن القديم. لقد واصلت هذه القوى (بوعي أو من دونه) منهج البعث الشوفيني والطائفي والديماغوجي في الكثير من مواقفها وقراراتها، مما ترك اثاراً خطرة على حاضر ومستقبل العلاقة بين سكان هذا الوطن المبتلى بعقائد “الهويات القاتلة”.
ان قرار السليمانية الأخير يبشر بامكانية تقويم مسار العملية السياسية وخاصة ما يتعلق بالعلاقة بين بغداد وقادة الاقليم في كردستان. وهو بالتاكيد سيمهد لمواقف ايجابية اخرى تساعد على تجفيف ذلك الارث الذي خلفته السياسات السابقة للأطراف جميعها. نحن بأمس الحاجة للمواقف الحكيمة والشجاعة التي تقطع الطريق امام قراصنة ولصوص المنعطفات التاريخية، وتعيد ترميم الجسور بين شعوب وملل وقوميات هذا الوطن الذي عرف دائماً بتنوع اعراقه وثقافاته وتعددية خياراته واجتهاداته، ومثل هذه القرارات لن تخذل حقوق الكورد أو غيرهم في تقرير مصيرهم، بل بالعكس ستنتصر تلك القرارات لمثل تلك الحقوق المشروعة على المدى البعيد، عبر ترسيخ مناخات التفاهم والتعاون بين العراقيين جميعاً، خاصة وهم يمرون بمرحلة صعبة ومريرة من تاريخهم الحديث، مرحلة هي بأمس الحاجة للمواقف الحكيمة التي تضع المصالح العليا والحيوية للوطن المشترك نصب أعينهم، وان لا يفرطوا بها خدمة لمآرب واجندات دول ومصالح اخرى.
هذا القرار الشجاع وكما غيره من القرارات المهمة، سيلاقي ردود افعال مختلفة، غير انه سيحظى بكل تأكيد بتعاطف القطاعات الشعبية الواسعة التي عانت من سياسات التفرقة والكراهة والتشرذم طوال العقود المنصرمة، فالانسان البسيط يدرك بغريزته وعفويته حكمة وصحة مثل هذه القرارات ودورها في تقويم العلاقة بين شركاء الوطن المشترك، وكذلك يعي المثقف والمناضل الحقيقي لا الاستعراضي والشعبوي؛ ضرورة مثل هذه القرارات التي يشبه عملها ما تنهض به كاسحات الالغام. أكثر من 13 عاماً من نهش بعضنا للبعض الآخر (المحاصصة الرثة) لم نتمكن من تقديم الوجه الآخر لشعوب الوطن القديم، مواهبهم في مجال الكفاح من اجل العدالة والمساواة وصنع الجمال والابداع الذي طالما عرفوا به مع شروط الحياة الطبيعية. مثل هذه القرارات تعكس ايضاً امكانية استردادنا لزمام المبادرة في هذا الظرف العسير المثقل بتحديات مواجهة أكثر العصابات الدولية همجية واجراماً (داعش)، وتشير بوعي الى ميادين العمل الحيوية الاخرى والتي من دون تفعيلها تبقى الانتصارات العسكرية والامنية، هشة وقابلة للانكسار مجدداً. لا يسعنا الا ان نشد على يد صناع مثل هذه القرارات والى المزيد منها على طريق ترميم الجسور بين سكان هذا البلد المبتلى واعادة الروح لسر ازدهار الامم والدول، أي الثقة والعيش المشترك بعيداً عن الاورام الشوفينية والطائفية وفرسانها الجدد..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة