الأخبار العاجلة

فيلم «كافيه سوسيتي« لوودي آلان : وما الحياة إلا.. ملهاة كبرى

وودي آلان يوظّف تأريخ هوليوود لخدمة التأمّل الفلسفي
صلاح هاشم
انتهيت في التو من مشاهدة فيلم (كافيه سوسيتي) للمخرج الأمريكي الكبير وودي آلان الذي عرض اليوم في العرض الخاص بالنقاد والصحفيين (أكثر من 4606 صحفي معتمد للدورة 69 ..ياللهول !). وحسنا فعل المهرجان بإختيارهذا الفيلم البديع لوودي آلان، وهو في رأيي من أفضل وأنضج ما أخرج خلال السنوات الأخيرة، الذي أعجبني جدا، وسعدت به كثيرا.
ويصل فيه وودي آلان الى القمة في فن الإخرج، ويستعيد بالفيلم لياقته وعافيته، كي يوضع عندي في مصاف «الحكواتية» STORY TELLERSالكبار في تاريخ السينما وهوليوود، من أمثال بيلي وايلدر، ومانكوفيتش، ولوبيتش وغيرهم، بل وأيضا الكتاب الكبار من أمثال الانجليزي وليم شكسبير، و الروسي تشيكوف والتركي باموق وأمثالهم مع جدهم وجدنا الأكبر»هوميروس» سيد الإلياذة والأوديسة، وفقط، لمجد وعناق الحياة، ومعايشتها، والعب منها ومن ومتعتها، وتوظيف حكاية الفيلم كله لخدمة التأمل الفلسفي العميق في «ملهاة» أو كوميديا الحياة، فما أكثر ما تخفيه من حزن وألم و مفارقات وتعاسة وتناقضات- هكذا يقول لنا وودي آلان- خلف قناع الكوميديا الضاحك.
يوثق آلان في فيلمه من خلال قصة حب لزمن السينما الهوليوودية في فترة الثلاثينات، ويعرض لتلك الفترة التي كانت فيها «الاستوديوهات» تتحكم في مصنع الأحلام والأوهام في مدينة السينما وللباحثين عن الشهرة وبكل الطموحات البريئة آنذاك، وهي تطلق نجوم السينما من أمثال روبرت تايلور وجودي جارلاند وجنجرروزر وجريتا جاربو وغيرهم في سماء المجد.
ونسمع عنهم في الفيلم من خلال وكيل أعمالهم اليهودي، الذي يستقبل في بداية الفيلم ابن أخته الذي حضر للبحث عن أي عمل في هوليوود، وكان من الطبيعي أن ذاك الشاب ويدعي «بوبي» أن يلجأ الى خاله، بعد أن قامت الأم مشكورة بالاتصال هاتفيا بشقيقها، وهو منغمس طبعا ومستغرق في حفل مع نجوم هوليوود- لكي يساعد إبنها في الحصول على أي عمل، ولم لا في الوكالة التي يديرها الخال– ويتظاهر الخال هنا بأن نجمة كبرى تتحدث اليه على الهاتف، وليس أخته المسكينة في نيويورك التي تبحث عن عمل- عند شقيقها- لإبنها، وبخاصة بعد أن نجح في فتح وكالة لادارة والتعاقد مع نجوم هوليوود، وصار غنيا ومشهورا، ونتعرف طبعا على خال بوبي الانتهازي، وأساليبه، وايضا أكاذيبه في الفيلم، حيث أن كل شييء هنا حتى الدعارة والمتاجرة بالأجساد، سكة للوصول وتحقيق طموحات البعض في العمل بالسينما وإكتساب المال والغنى والشهرة خلال حقبة الثلاثينيات.
ويعرض آلان في هذا الجزء لحياة نجوم هوليوود وحفلاتهم الصاخبة ولهوهم وعبثهم، وينتظر الشاب الذي وصل حديثا أن تحدد له السكرتيرة ميعادا مع خاله أكثر من ثلاثة أيام من دون جدوى،وأخيرا يعرض عليه خاله أن يبدأ من أول السلم،من عند توزيع البريد مثلا، على العاملين في الوكالة، ويطلب من مساعدته الجميلة التي تصغره بخمسة وعشرين عاما وتدعي «روني» وتلعب دورها في الفيلم الممثلة الشابة النجمة الجميلة كريستين ستيوارت أن تصطحب «بوبي» في جولة على قصور نجوم هوليوود من أمثال روبرت تايلور، وبينما يحلم هو بأن يكون له ذات يوما قصرا في هوليوود، تقول له روني بأن حياة النجوم هي حياة كلها عبثABSURD وتافهة لاترتضيها Kوهي تحب أن تسكن في بيت يطل على البحر وأن تتأمل في مياه المحيط العميقة.
يرسم وودي آلان شخصيات فيلمه ببراعة مذهلة وبحوار فطن وتصوير رائع يعيد بالفعل الى الاذهان مجد أفلام استوديوهات هوليوود الكبرى في أعمال كبار المخرجين آنذاك مثل مانكوفيتش وبيلي وايلدر ولوبيتش،
ومن خلال قصة بوبي الذي يقع في حب روني التي تقول له انها على علاقة برجل عشيق مسافر، ولاتستطيع أن ترتبط به، ونعرف من بعد في الفيلم انها تعاشر خاله وكيل الفنانين في هوليوود وتحبه.
ويقرر خال بوبي أن يهجر زوجته من أجل روني التي تصغره بأكثر من خمسة وعشرين عاما، لكنها حال الدنيا، والمهم ان تتابع الأحداث في الفيلم يكشف عن العديد من المفارقات، ونتابع بشغف تطور حبكة الفيلم، التي تنساب في جمال ومن دون أن نشعر ولو للحظة واحدة في الفيلم بالملل.
يصنع ويغزل وودي آلان في فيلمه (كافيه سوسيتي) الفكاهي الجميل نسيجا فيلميا بديعا من خيوط الدانتيلا وبكل ألوان قوس قزح- ألوان البهجة-، في ما هو أقرب الى الرسم الزيتي وفن الرسم، بالضوء واللون بالصورة والكلمة، وبما يضعه في مصاف كبار الرسامين الفرنسيين من أمثال ديجا وبيسارو ورينوار الأب.
ويعرض في فيلمه لعدة تيمات يناقش فيها الى جانب توثيقه لحياة السينما في هوليوود في فترة الثلاثينيات، يناقش العائلة اليهودية واخلاقياتها، وعشقه لمدينته نييويورك التي يعرض في الفيلم لجمالها وعبقريتها وشغفه بها، كما يناقش في الفيلم أيضا عشقه لموسيقى الجاز التي تعتبر الموسيقى الكلاسيكية في أمريكا، وهي من صنع الزنوج السود الافارقة الذين حملوا قسرا الى أمريكا العالم الجديد،وشيدوا فيه المصانع والمباني والجسور والسكك الحديدية.
ومن خلال الموسيقى الافريقية الزنجية التي حملوها معهم الى العالم الجديد والاضافات الموسيقية التي دخلتها ولدت موسيقى الجاز التي يستخدمها وودي آلان طوال الفيلم، ويجعلها في خلفية (قصة الحب) التي يحكيها لنا في فيلمه السلس البديع الذي هو بمثابة «تحية» الى أفلام فترة الاستوديوهات في هوليوود ونجومها الكبار من أمثال جنجر روجرز وروبرت تايلور وجريتا جاربو وغيرهم كثر، وتظهر أجزاء أو لقطات من تلك الافلام الرائعة بالابيض والأسود في الفيلم. كما انه تحية الى تلك «الأسرة اليهودية» التي أتي منها بوبي في الفيلم، والثقافة اليهودية عموما وبكل أفكارها الحياتية ومعتقداتها في الموت والميلاد والبعث والتجارة والمكسب والخسارة والاخلاقيات عموما، إذ يضعها وودي آلان هنا في حيز التأمل الفلسفي الاخلاقي، ومن دون أن يحاكمها أو يدينها في الفيلم، مستخدما في تشريحها سلاح السخرية بنكهة جاحظية لطيفة ومحببة وبكل قفشات وتعليقات وودي ألان الذي يلعب دور الراوي في الفيلم، ويجعلنا نتعاطف مع تلك أسرة يهودية حتى لو كان بعض أفرادها من لصوص المافيا وقطاع الطرق كما يكشف في فيلمه.
فيلم وودي آلان ينساب مثل كأس من الفراولة في جوفك في عز الحر، وهو مثل اللوز المقشر الطعم من حلب، وحبة الكريز التي تعلو تورتة مهرجان «كان» في 69.
و كما يقول جودار: فيلم عندما نعجب به، كما هو الحال مع (كافيه سوسيتي) يصير في التو أكبر منا ،ولاتسعفنا الكلمات لوصف سعادتنا، وفرحنا به،واذا به وهو يضحكنا،يجعلنا نتأسى كذلك لكل قصص الحب التي عشناها في حياتنا، ونسيناها ونحن نكبر.. وننضج أكثر على سكة عمرنا.
وأجمل مافي فيلم وودي آلان في رأيي أنه يقول لنا: أن ثمة أشياء كثيرة تقع لنا لنا، وتجارب كثيرة نعيشها في حياتنا، لكن بعضها لايمكن ابدا أن ننساه، مثل قصة الحب التي نعيشها مع حبيبين في الفيلم في عز مجد هوليوود. ونراهما في آخر لقطة في الفيلم وحتى بعد أن تغيرا ونضجا وكبرا مازالا يستشعران دفئها وحنانها وبهجتها، ومازالا الاثنان يحلمان بها.
فكرة جد بهيجة تعيد الينا عظمة وسحر الحب في فيلم فني متماسك يصل فيه آلان الى القمة وبأداء جماعي باهر لكل الأدوار الكبيرة والصغيرة في الفيلم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة