فجر موجة أفلام «الانتقام»

Death Wish
جابر الغول
غداة عرضه عام 1974، حقق فيلم أمنية الموت نجاحاً تجارياً ولاقى استحساناً جماهيرياً، ليتحول إلى أحد أبرز الأفلام حول (المقتّص، أو المنتقم) وأكثرها شعبية، وليفجر موجة جديدة من «أفلام الانتقام» التي تأثرت به. نقدياً، هُوجِم الفيلم، ووُصفَ بالفاشي، واتُّهِمَ بالحقد الطبقي تجاه الفقراء وتبرير القتل والدفاع عن استخدام أقصى درجات العنف خارج سلطة القانون.
الفيلم الذي أخرجه البريطاني مايكل وينير، مقتبس عن رواية بنفس العنوان للروائي الأمريكي بريان غارفيلد، مع اختلافات جذرية بين الرواية والفيلم، اضطر غارفيلد بسببها لكتابة رواية جديدة رداً على تبني وينير «غير الأمين» بنظره، الذي أعلى من شأن «الانتقام» ودافع عنه.
«بول كيرزي» تشارلز برونسون مهندس ناجح، ليبرالي، يعيش في نيويورك مع عائلته، مُسالم، يرفض العنف واستخدام السلاح لأي غرض، ويؤمن بالقانون. لا تدوم هذه الحال طويلاً، عصابة تقتحم بيته، تقتل زوجته، وتعتدي جنسياً على ابنته. يلجأ إلى الشرطة بحثاً عن العدالة والقصاص من المجرمين، فيكتشف أن هذه أشياء لم يعد يوفرها القانون، فيتملكه اليأس والعجز كل ما استذكر زوجته المغدورة ورأى ابنته المنهارة، وكل ما خرج لشوارع نيويورك المزدحمة بالجريمة والعنف. رحلةٌ صغيرة ستقلب قيمه، وتحوله إلى مُقتّص، ساعٍ للانتقام، وإلى ما هو أبعد من ذلك.
الرسالة الرئيسية هي الانتصار للعالم التقليدي ممثلاً بالغرب القديم، بقوته وخشونته واتساقه مع الطبيعة البشرية، وتصالحه مع الغرائز وانسجامه مع الفطرة الأولى، مقابل العالم الحديث، عالم المدينة ممثلاً بنيويورك، حيث الفرد مجرد كائن جبان، منزوع القوة والإرادة، خلق ليعمل ويستهلك، عاجز عن المواجهة، ودائماً يؤثر الانسحاب. الدولة الحديثة من جهة سلبت منه حقه الطبيعي بالدفاع عن نفسه، فمنعته من اقتناء السلاح واستخدامه، وأعطته قانوناً عاجزاً عن حمايته واسترداد حقه، وخدرته بشعور مغشوش بالأمان. ومن جهة أخرى، غسلت الأفكار الحداثية دماغه بخرافاتٍ، كحق أي إنسانٍ بالحياة حتى لو كان مجرماً.
يبدأ بول بحصد أرواح الذين يهاجمونه، وهو يجوب الشوارع ليلاً، من قطاع طرق وأصحاب سوابق، منفلتين في شوارع نيويورك. مع قتله لأول قاطع طريق، يصاب بول بصدمة، لكن سرعان ما يتلاشى تأثيرها تحت وطأة الرغبة العارمة بالانتقام. مع تحول القتل إلى ممارسة يومية تفرضها طبيعة مدينته العنيفة، يصبح فعلاً أقلَّ صعوبة وأكثر متعة، في كل مرة تخرج رصاصة من مسدسه لتستقر في جسد أحدهم، تغمره نشوة عارمة. ولا يعود الهدف الوحيد من القتل الدفاع عن النفس و الانتقام فقط، لا بل يتجاوز ذلك إلى ما يشبه حملة صليبية سيقوم بها لوحده، لتطهير المدينة من القتلة والمجرمين وقطاع الطرق ومدمني المخدرات واللصوص، مستلهماً التقاليد والقيم التي غرستها به رحلة توسون.
يتحول بول إلى شيء كان يتوقعه ولا يريده، إلى أيقونة شعبية، إلى بطل، إلى نبيٍ للعنف المضاد، فيستلهم الناس منه طرائق للدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم، فيما تتصدر أخبار المقتّص عناوين وسائل الإعلام في الداخل والخارج. لكن شرطة نيويورك لا تريد «المقتص»، ليس بسبب خروجه على القانون، واعتداءه على سلطتها بممارسة العنف الذي تحتكره، بل لأنه يقطع مصدر رزقها، ويقلل من هيبتها، فعندما تنخفض معدلات الجريمة – التي تقتات على ارتفاعها – لا يعود لها أي عمل، وتهبط أسهمها شعبياً، لترتفع في المقابل أسهم المقتّص الذي أنجز بوقت قصير، ما عجزت عنه الشرطة، مما يترتب على ذلك، مئات المعجبين به، الذين سيحاكون عمله، وينتهجون أساليبه بالدفاع عن النفس، ليتحول الأمر إلى نوعٍ من الفوضوية التي بالتأكيد لا تحبها الدولة.. أي دولة. المدعي العام يطلب من الشرطة أن لا تعتقله، كي لا تزداد بطولته، ولا أن تواجهه فيُقتَل ويغدو شهيداً على يدها، فيأمر بإبعاده بهدوء.
يَصبُّ الفيلم لعناته على الأفكار السائدة وقت عرضه، على اليسار تحديداً، أو ما يراه يساراً. لا يحتاج ذاك إلى تأويل، أحد الثلاثة الذين يقتلون زوجة بول لا يكف عن مهاجمة الأغنياء وهو يتلذذ بقتلها، على أساس أن «الحقد الطبقي» هو الدافع وراء الجريمة. بول وعائلته وكل الناس الطيبين في الفيلم من الطبقة البرجوازية، على خلاف المجرمين الذين يؤكد زميل بول في العمل أنهم فقراء، ويدعو إلى وضعهم في “معسكرات اعتقال”. هو هجومٌ مضاد، على الأفكار التي اجتاحت أمريكا والعالم بعد موجة “الثورات الشبابية” و”الحركات الطلابية” في الستينات، التي يراها الفيلم سمَّاً ويقدم لها ترياقاً هو التقاليد والقيم الأمريكية المُحافِظَة، أو ببساطة: «جون واين» و»جون فورد» و»غاري كوبر» و»هنري فوندا»… و»الغرب القديم» ضد ثقافة الهيبيز وإفرازاتها، فرقة «البيتلز» على سبيل المثال.
هذا الفيلم قد لا يقدم شيئاً استثنائياً، وقد أكون بالغت كثيراً في ما سردته حول رسالته المفترضة.. عُنفٌ عادي، ودماء لا يبدو لونها إطلاقاً كلون الدم، شخصيات المجرمين كرتونية، هزلية وقد واجهت صعوبة في أخذها على محمل الجد. القصة ليست جديدة كلياً، ومجرياتها متوقعة. لكن أسلوب مايكل وينير الإخراجي، وجرأته في تضمين عمله لأفكارٍ لم تكن متوافقة مع آخر صيحات الموضة في عالم السياسة، إلى جانب أداء برونسون، وموسيقى هيربي هانكوك الناطقة بوحشية وعنف نيويورك، تجعل منه أكثر من مجرد فيلم حركة وإثارة، وتشفع لأخطاءه واستسهاله في بعض المواضع.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة