تباشير برامج التلفزيون الرمضانية

فيصل الياسري
كاتب ومخرج عراقي
في الليلة الأولى من رمضان تدفقت من شاشات الفضائيات العربية بشائر المسلسلات التلفزيونية الرمضانية الموعودة ، وسرعان ما تدفقت على صفحات التواصل الاجتماعي رسائل الذم والتذمر والردح ضد تلك البرامج التي وصفها احد الكتاب في مصر» على ما يبدو ان الكباريه والديسكو علامة مميزةببدايه كل المسلسلات.هذا الموسم .. وكأن الشيطان يسخر منا « ..
واقتبس لنا صديقي الكاتب محمود الطوخي بعض ما شاهده في اولى حلقات مسلسل مصري اسمه ( بنات سوبر مان ) بدأ بثه في اليوم الأول من رمضان
(( …. – حاسة بدوخة وعاوزة اتقايا
– تبقي حامل يخرب بيتك .. اكيد نسيتي تاخدي الحباية قبل ما …
– انا باخد الحباية قبل وبعد و بالنص
– أمال حبلتي ازاي ؟
هذا الحوار يدور بين الممثل المحترم بيومي فؤاد و ( شقيقته ) الفنانة انتصار.. وللتوضيح .. بيومي يعمل قوادا في كباريه رخيص .. يعرض فتياته على زبون خليجي ليختار من يقضى معها وقتاً ممتعاً .. لكن الخليجي يختار انتصار .. الشقيقة .. ويختفي ليتركها حاملا في اربع بنات توائم …
ويستشهد بيومي بآيات من القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية كيلا تجهض نفسها .. واضح ان التوائم سيصبحن .. بنات سوبر مان ))
ويعلق الطوخي على ذلك قائلا : « نعم .. هذا مسلسل مصرى …نعم .. المسلسل يذاع في رمضان
الحلقة الأولى ببساطة هي دليل البني آدم السافل في ممارسة اقدم مهن التاريخ .. الدعارة … وكل سنة وانت فاجر يا فن مصر «
لقد اعتاد المشاهد العربي مع اقتراب شهر رمضان المبارك ان يتهيأ لاستقبال حزمة من الاعمال التلفزيونية على الفضائيات العربية احتفالا بشهر رمضان حيث تشتد المنافسات الخفية بين شتى الفضائيات للحصول على حقوق عرض هذا المسلسل او ذاك والاعلان عنها مبكراً لجذب المعلنين لبث اعلاناتهم خلال فترة عرض كل مسلسل حسب النجاح الجماهيري المتوقع له وقد تصل كمية الإعلانات خلال بعض المسلسلات الى حد يفسد متعة مشاهدة الحلقة التي تتقطع اوصالها بالاعلاانات المتكررة والمتلاحقة ، وقد صارت فترة عرض الحلقة التي مدتها الاصلية لا تتجاوز الخمسين دقيقة ، تصل الى ما يقارب الساعتين مع الفواصل الاعلانية خلالها !!
لقد ارتبط شهر رمضان منذ سبعينيات القرن الماضي بنكهة برامجية خاصة بالإذاعة والتلفزيون ، تتوجها المسلسلات العربية ، وغلب عليها في البداية – احتراماً لهذا الشهر – المسلسلات التاريخية والدينية والاجتماعية الغنية بالمعاني والدلالات الدينية والروحية والاخلاقية ، وشكل هذا التوجه الرمضاني خصوبة إنتاجية لكل جهات الإنتاج البرامجي الرسمية والخاصة فتوفرت فرص عمل واسعة لكل الطاقات الفنية العاملة من كتاب نصوص ومخرجين وممثلين ومصورين .. وقبل كل هؤلاء المنتجون الذين اسهموا منذ سبعينيات القرن الماضي على ترسيخ مناهج واتجاهات في العرض التلفزيوني تساعدهم على زيادة حجم انتاجهم ، فابتدعوا منهج العرض اليومي لحلقات المسلسل بعد ان كانت تعرض حلقة واحدة أسبوعيا وبالتالي ليس اكثر من 13 حلقة للمسلسل الواحد في ثلاثة اشهر هي دورة تلفزيونية واحدة .. ووجد المنتجون الخاصون مصلحتهم في زيادة عدد حلقات المسلسل الواحد الى ثلاثين حلقة تعرض يوميا طوال شهر فحرضوا إدارات التلفزيون على العرض اليومي للحلقات ( وخصوصاً في منطقة الخليج العربي التي كانت محطاتها التلفزيونية الأرضية المتجاورة تتنافس على جذب جمهور الدولة المجاورة ) ، وقد شجعت وكالات الإعلان التجاري هذا التوجه لتوفير مساحة اكبر لاعلاناتهم على شاشات التلفزيون .
والى جانب البرامج الرمضانية الدينية والأخلاقية والتربوية والمسلسات « الوقورة « دخلت الساحة البرامجية منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي ، نكهة الترفيه ، فجاءت موجة « فوازير رمضان» التي بدأتها نيللي فقدمت انجح مجموعة فوازير مع المخرج الراحل فهمي عبد الحميد ، ومع الفوازير دخل الرقص والموسيقى والغناء ضمن مكونات البرامج الرمضانية ثم راجت موجة الكوميديا في برامج رمضان التي برعت فيها الانتاجات المحلية الخليجية ، فقدمت طوال سنوات – وما زالت – مسلسلات كوميدية انتقادية محلية جريئة سياسيًا واجتماعياً !!
ومنذ سنوات دخل الساحة التلفزيونية العربية منافس مؤثر وجذاب انتشهر كالنار في هشيم البث التلفزيوني العربي ، هو المسلسل التركي المدبلج الى اللهجة السورية وتبعه مسلسلات من جنسيات مختلفة مدبلجة الى اللهجات العراقية والمغربية والمصرية والخليجية ، واصبح لهذه المسلسلات « المُنطقة « عربياً حضور مزمن على شاشاتنا يتابعه المتفرجون مبهورون بالعلاقات الاجتماعية والاسرية المنفلتة أحياناً والتي مما لا شك فيه سيكون لها تأثير سلبي مستقبلا على قيمنا الاجتماعية والمجتمعية !!
وفي زحمة التدفق البرامجي التلفزيوني قد ننسى الدور الكبير للإذاعات التي تحتفي برمضان منذ ما قبل ظهور التلفزيون.. وتقدم البرامج الخاصة ذات النكهة المميزة والمسلسلات التاريخية والدينية والاجتماعية بطريقة مميزة اعتمدت كثيرًا على التراث العربي والإسلامي والتي كانت مسموعة كثيرًا في رمضان وفي غير رمضان يوم كانت الإذاعة لا تسكت ولا تغيب ويظل صوتها مسموعاً ليلا نهاراً حتى بوجود التلفزيون الذي كان حضوره محدودًا بعدد قليل من ساعات البث اليومي لا يزيد على 6 ساعات..
يبدو ان برامج رمضان لهذا العام ستزداد جرأة وانفتاحاً واثارة بفضل تزايد الفضائيات الخاصة في جميع البلدان العربية التي تصاعد التنافس بينها لجذب المشاهدين وبالتالي لجذب المعلنين والدعم المادي ، وقد شجع المنتجين والفنانين العرب تدفق البرامج الأجنبية على الشاشات العربية بما تطرحه من قضايا حساسة ومعالجات جريئة خاصة في العلاقات العائلية والغرامية من دون ان يعترضها مقص الرقيب المحلي ، فحسب المنتج العربي انها أصبحت مقبولة محليا ويمكن ان تمر على مقص الرقيب فتقصد تقليديها والتنافس معها ليس فقط من الناحية الفنية وتقنيات الصياغة والإخراج والمؤثرات ، وانما أيضا من نواحي جرأة الموضوعات والمعالجات التي وصلت عند بعضها الى حد حصول الصدمة عند الكثير من المشاهدين . وبالرغم من ان بعض الاعمال حاولت ان تربط قضايا الانهيار الأخلاقي بالمشكلات السياسية والاقتصادية في البلدان وبالنزاعات المذهبية والإرهاب الا ان هاجسها الأساسي بقي في معظمها هو الاثارة الخارجية للسلوكيات الاجتماعية والعلاقات الغرامية بين الافراد … من دون تفاعل حقيقي مع تقلبات الزمن الذي نعيشه ، ولا تتأثر – سلباً او إيجاباً – مع الاحداث العربية العاصفة التي نراقبها عن بعد او قرب او ربما يكون بعضنا جزءً منها .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة