الأخبار العاجلة

أحاديث الثلاثاء

سلسلة من المقالات نشرها الكاتب عطا عبد الوهاب في كتاب تحت عنوان “أحاديث الثلاثاء”، وكانت هذه المقالات ثمرة أطروحات لكتاب ومثقفين عراقيين كانوا قد شاركوا في ندوات أقامها المؤلف في داره في عمان منذ أوائل نيسان عام 2009، ونظراً لأهمية الطروحات ارتأينا أن ننشرها في “الصباح الجديد” في سلسلة حلقات بعد الاتفاق مع المؤلف.
تأريخ الطب في العراق
القسم الرابع
بعد نكسة حزيران عام 1967 قرر المسؤولين في وزرة الصحة إيقاف الإيفادات والاجازات الدراسية وبدلاً من ذلك منح دبلوم عالي في الطب الباطني والفروع الأخرى، فتشكلت لجنة من الاساتذة سالم الدملوجي وبديع صبيحة واحسان البحراني لوضع برنامج للتدريب في المستشفى التعليمي في بغداد للأطباء الراغبين في الحصول على الاختصاص بعد أن اكملوا تدريبهم في المستشفيات التعليمية وقضوا سنين في الإقامة اضافة الى ذلك عليهم ان يتدربوا لمدة سنة في فرع الاختصاص في المستشفى الجمهوري التعليمي في بغداد وبعدها يجلسون لامتحان شامل تحريرياً وشفهياً وعملياً ومن يجتاز هذا الامتحان منح دبلوم ولقب اختصاصي في الباطنية والفروع الأخرى ويوزعون على المستشفيات في بغداد والمحافظات.
تحسن الوضع الصحي في العراق فزاد عدد الاطباء الاختصاصين نتيجة تدريبهم في المستشفيات التعليمية وحصولهم على الاختصاص من بغداد وقسماً منهم التحقوا بالإجازات الدراسية وحصلوا على الاختصاص من خروج العراق.
كما زادت عدد المستشفيات في المحافظات وتوزع الاطباء حسب درجاتهم واختصاصاتهم على المستشفيات في كافة انحاء العراق.
تشخيص امراض القلب وتطورها:
عند عودتي الى العراق من بريطانيا وحصولي على عضوية كلية الاطباء الملكية من علاسكو وأدنبرة وتدريبي على قسطرة وتلوين القلب عام 1962 وتعييني مدرساً في قسم الامراض الباطنية في المستشفى التعليمي في بغداد لم يكن هنالك من وسائل لتشخيص امراض القلب غير الفحص السريري وتخطيط القلب واشعة الصدر ولم تدخل الوسائل الأخرى المتطورة كالقسطرة والايكو والاجهزة الأخرى في التشخيص. فحاولت إقناع رؤسائي الى اللجوء الى مستشفى الشعب المجاور حيث هنالك الصديق الدكتور صاحب زيني رئيس قسم الاشعة في المستشفى وعرضت عليه أن أجري فحص القسطرة في شعبته فوافق على ذلك وفعلاً اجريت هذه العملية بوسائل بدائية مستعملاً السكرين لمراقبة سير القسطرة في القلب وجهاز تخطيط القلب لمراقبة ضرباته وجهاز لقياس الضغط داخل القلب وكان المريض مراهق عمره ستة اخرس واطرش وظهر من الفحص بانه مصاب بتضيق في الصمام الرئوي من القلب ولادي وأثبت الفحص ذلك وساعدني في اجراء القسطرة الدكتور عدنان سوسم جراح القلب في المستشفى وتمت العملية بنجاح وكانت هذه القسطرة هي الاولى في العراق وكان ذلك قرابة منتصف عام 1963.
وكانت هذه الخطوة بداية لإجراء عمليات القلب المفتوح لأول مرة في العراق فأجرينا عملية على نفس المريض فأجرى العملية الجراحات يوسف النعمان ومؤيد العمري وقاما بتشغيل جهاز القلب والرئة الصناعي الدكتور محمود تامر والذي تدرب على هذا الجهاز في بريطانيا وكنت أنا المسؤول عن مراقبة ما يجري في اثناء العملية من تغيير في ضربات القلب الى قياس الضغوط داخل القلب وتسجيل كل ما يحدث في اثناء العملية بواسطة جهاز كمبيوتر حديث حصلنا عليه مؤخراً ونجحت العملية ونقلنا المريض الى مركز للإنعاش لمراقبته عن كثب وكنا نحن الاربعة نتناوب على مراقبته وعلاج ما يستجد حيث لم يكن هنالك كادر طبي متدرب على مثل هذه الحالات والتي كانت الاولى في العراق وتم ذلك عام 1964. كانت هذه الخطوة تطور كبير في علاج امراض القلب الولادية والمكتسبة وتطور تشخيص وعلاج امراض القلب في مستشفى الشعب وانشأنا مركز مدينة الطب بعد افتتاحها عام 1970 وجهزناه من شركة سمنس الألمانية وهيولت باكادر الاميركية والماشوندر السويدية وهكذا اجريت شتى العمليات على مرضى كثيرين وخاصة الاطفال منهم وانقذنا حياة الكثيرون
وفي عام 1954 افتتحت كلية طب الموصل والتحق عدد من الاختصاصين العائدين من الخارج كمدرسين في الكلية غير أن الكلية كانت بحاجة الى أساتذة لهم خبرة في التدريس ونسب عدد من أساتذة كلية الطب في بغداد بالتدريس في الموصل خاصة بعد وصول الطلبة الى الصفوف المتقدمة في الكلية ولمدة محدودة في فروع الطب المختلفة الى ان انتفت الحاجة اليهم بعد أن اصبح الكادر كاملاً في نهاية الستينيات كما عين اساتذة اجانب في الكلية اضافة الى الكادر العراقي.
وفي عام 1967 افتتحت كلية طب البصرة ونسب عدد من الاساتذة للتدريس فيها كما عين عدد من الذين عادوا من الخارج بعد حصولهم على شهادات الاختصاص كمدرسين وسارت الامور في الاتجاه الصحيح.
وفي السبعينيات اصبح العراق اكثر من ثلاثة عشر كلية للطب اربعة في بغداد وكلية في كل من الموصل والبصرة والحلة والكوفة والديوانية والكوت واربيل والسليمانية، وكان عدد الطلبة المقبولين في الأربعينيات خمسون طالباً لكل كلية ازداد العدد الى مائة وفي السبعينيات وصل الى ثلاثمائة (300) طالب وطالبة.
وفي التسعينيات ازداد العدد الى خمسمائة وكان هذا على حساب النوعية والتدريب وكانت هذه خطوة غير موفقة بسبب قلة الخبرة للأساتذة ومنبع الاطباء العراقيون من التخصص في الخارج بسبب الحصار الظالم.
فأستعيض عنه بالبورد العراقي والعربي.. ونتيجة للحصار والظروف الصعبة التي تعرض لها الطرف ترك العراق عدد كبيرة من خيرة الاساتذة والاطباء الى الخارج خاصة بعد احالة خيرة الاساتذة على التقاعد من قبل النظام السابق.
وتحولت الجمعية الطبية البغدادية الى الجمعية الطبية العراقية عام 1935 واستمرت في فعالياتها عبر السنين وقامت بفعاليات علمية من اجتماعات الى مؤتمرات طبية الى اشتراك في فعاليات عملية داخل او خارج العراق وكان اول مؤتمر طبي عربي في بغداد عام 1938 واشترك في اربعة دول عربية هي مصر وسوريا وفلسطين إضافة الى العراق والدولة المضيفة. وفي هذا المؤتمر العربي والذي كان ناجحاً طبياً وعملياً القى الشاعر المصري الكبير علي الجارم قصيدته العصماء بحق العراق ومن أبيتها.
بغداد يا بلد الرشيد
ومنارة المجد التليد
يا بسمة لما تزل
زهاء في ثغر الخلود
يا موطن الحب القديم
ومضرب المثل الشرود
يا مغرب الامل القديم
ومشرق الامل الجديد
وكان هذا المؤتمر مدخلاً لمؤتمرات أخرى في العراق والبلاد العربية. وكرم كثير من الاساتذة في كلية الطب بزمالات فخرية ودكتوراه فخرية بسبب جهودهم وبروزهم في حقل اختصاصهم ومساهماتهم في تقدم الطب في بلدهم، ومن هؤلاء الاستاذ هاشم الوتري الذي كرم بزمالة كلية الاطباء الملكية البريطانية عام 1948 من قبل اللورد موران عميد كلية الاطباء الملكية بلندن في حفلة اقيمت في مسبح امانة العاصمة في الكرادة ساهم فيها الوزراء واساتذة الطب وبعض المسؤولين الكبار والقى الشاعر الكبير الجواهري قصيدة عصماء امتدح الاستاذ الوتري وانتقد بعض السياسيين ومن ابياتها:
مجدت فيك مشاعراً ومواهباً
وقضيت فرضاً للنوابغ واجبا
بالمبدعين الخارقين تنورت
شتى عوالم كن قبل خرائبا
شرفاً عميد الدار عيا رتبة
بؤتها في الخالدين مراتبا
ولا أنت صنت الدار يوم اباحها
باغ ينازل في البغية طالبا
انا حتفهم الج البيوت عليهم
أغرى الوليد بشتمهم والحاجبا
واثناء القاءه القصيدة غادر الوزراء والمسؤولين القاعة احتجاجاً وكان الاستاذ الوتري يهتم بتاريخ الطب العربي وفي عام 1952 قدم الى مجلس الوزراء مشروع قانون بيت الحكمة بجمع كل الكليات الطبية من طب وصيدلة وطب الاسنان وكيمياء متشبهاً ببيت الحكمة في عصر الخليفة العباسي المأمون وكان الاستاذ الوتري مباليا لتدريس الطب باللغة العربية ولكن بقية الاساتذة العراقيين والاجانب عارضوا الفكرة بسبب قلة المصادر الطبية العربية وصعوبة الحصول على خبرات الدول المتقدمة والاختصاص في الخارج ومن الامثلة الحية هي ما يجري في سوريا حيث التدريس باللغة العربية في كليات الطب وكان المستوى دون مستوى الطب في العراق ومتابعة التقديم في الطب الغرب أمراً صعباً. وبعد عدة محاولات لتعريب الطب في العراق لم يتمكن الداعين اليه الى تحقيق طموحاتهم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة