الأخبار العاجلة

التجربة الزجلية المغربية.. غلّة جمالية مضاعفة

احمد الشيخاوي
ما الانتعاشة التي بات يشهدها هذا الجنس التعبيري والوثيرة المتسارعة لتفشيه في المشهد الإبداعي الطليعي المغربي على نحو خاص، إلاّ برهانا ساطعا على وعي جماهيري آخذ في التوهج وحسّيستغرق الصميم الإنساني ويختصر المسافة إلى ذائقة الهامش عبر القاموس الدارج نحو أدبيات الانفصال عن الشفهي إلى ذاكرة النصي والمخطوط .

المنطوق المجذوبي الموزون
هكذا وباعتماد تلكم المرجعية،أخالها مجانبة للإنصاف أيما مقاربة في هذا المضمار لا تستحضر رموز التأصيل للإنزياحات اللسانية و تولج في نسيج الفسيفساء الكلامية اللهجة كآلية للبناء الذاتي والمجتمعي، و تحتفي بالريادي الأول حامل لواء الشعر العامي المغربي وأسطورة كل الأجيال ولسان القرن السابع عشر الميلادي ، الزاهد والصوفي عبد الرحمن المجذوب وكيف أن تأثير موروثه اجتاز بلاد المغرب العربي ليخترق إفريقيا قاطبة مرورا إلى آفاق العالمية، بحيث لم تزل حتى يومنا هذا تتغنى برباعياته الأمصار القاصية والدانية على حد سواء، لما يتضمنه نسغ شعريته من وفرة وغزارة في جرد للحكم وتعدادها اتكاء على أسلوبية تروم التجريبية والابتكار وتعارض المتعارف عليه و تعانق بذخا بنيويا يتبنّى لغة السهل الممتنع.
حتى أنه ما انفك ينهل من أدق التفاصيل الحياتية لإبراز تجربة ذروة في الفنية والفرادة القائمة على تشاطر الهم كاملا وصادقا مع المتلقي احتماء بأقنعة خطابية تنشد التلاقح والتفاعل دونما تلفيق أو تنميق، الشيء الذي أتاح للمنطوق المجذوبي الموزون ذيوعا وانتشارا لافتا لا يتسنى لغير عمالقة البوح على مرّ وتعاقب الأجيال.
« يا صَاحب كُن صَبّاراُصبر على ما جرَى لَك
اُرقد علَى الشُوك عريان حَتّى يَطلع نهَارك
لا تْخَمّمْ لا تْدَبَّرلا تَرْفَدْ الهَمْ دِيمَة
الفلك ما هو مسَمَّر و لا الدنيا مقيمة
لا تخمم في ضيق الحال شف عند الله ماوسعها
الشدة تهزم الأرذال أما الرجال لاتقطعها
سافر تعرف الناس و كبير القوم طيعه
كبير الكرش و الراس بنص فلس بيعه
لا تسرج حتى تلجم و اعقد عقدة صحيحة
لا تتكلم ختى تخمم لا تعود لك فضيحة…»
نيوكلاسيكية التجربة عند أحمد لمسيح
باعتبار الفعل الزجلي ضمن حدودها ينطلق من واقعية مهيمنة الملامح و حيية التمرد وتتلمظ معسول هلاميتها من المراوحة بين القطيعة مع الضاغط باتجاه استنساخ هيأة شفهية مثقلة بالحمولات الوجدانية والوجودية المتقادمة، و التوليدات الذهنية الاستشرافية المتسربلة بنزعة الفلسفة الآنية .
تلكم معاناة الاسترسال في امتصاص صدمة زخم من تأويلات التيار المضاد أو النقيض لما يحصر ويحشر صراع الألسن في خندق خذلان لغة الضاد والاصطفاف مع المهجن أو الدخيل مع الكثير من تغافل حتمية التنوع والتكامل وضرورة المواكبة.
إنها حمية و مطبّ اجتراح معيارية ليست تراعي سوى الهذيانات الأنوية داخل جغرافية هامسة لا رابع لأبعادها/قلم وبياض وعزلة، شأن المنطبق على زجالنا الألمعي احمد لمسيح المترنم بشعرية تمتدّ جذورها إلى أواسط السبعينيات لتكلل حتى يومنا هذا بباقة من المجاميع الشافية والوافية والباسقة بنبضها الطرفاوي والموغلة فيخلخلة السائد والشاذ.
من عناوينه في جودها العفوي بغلّة جمالية مضاعفة نقرأ الطقوس التالية : «الرياح التي ستأتي» و «شكون طرز الما» و»ظل الروح» و»توحشت راسي» و «احريفات» و»حال وأحوال» و»خيال الما» و»ريحت الكلام» و «نجمة» و»بلادي» و»كلام ضاوي» و»كلام آخر».

زئبقية المعنى في لهجة رشيد حداش
البصمة لدى نظير شاعرنا الواعد هذا، تنبثق من تجليات الومضة المكثفة للمعنى المتفلّت و النوتة النافرة المتشبعة بالتقاط فتات اليومي والمعطّل وكل صاعق بتجليات الممارسة المغرقة في حساسية جديدة ومغايرة تلبّي تطلعات جيل استثنائي في مواقفه تجاه الذات فالآخر فالعالم إجمالا.
ومتهم بإدمان لعنة رؤى رمادية تتحكم بخيوط المصير وإكراهات المعيشي بقدر ما تتوسم في الكلمة الخلاص و جوانية تصالح وتصافي ورتق شرخ ولملمة هوية.
«عكزت صبري لبلاد النية ريبة
طلعت العكابي بالدفيع
مسحت عركي فجبال الريبة
ملوحة محلوبة بلا رضيع
……………
يااااه يا لوليد
هاك من الحكمة أحكام
وخلي مرايتهم
تصورنا كيف بغاو
أنا مواعدك ما نتصورو
غير بالحرية لجام
……………..
نهار كتغمزني المعنى
كنعنكها ونقبلها
ونكودها لطريق الشوار
بالفهم والرزانة
ؤ الحطة على زوج كفات
كيتساوى لعبار بلا غيار «
هذا و أحسب الوجوه المؤثثة لطرحنا أقحمت للمثال لا الحصر ، ناهيك عن أصوات أنثوية رائدة في هذا المجال و تشغل حيزا هاما إن نوعية أو كمّا .. وعليه فإن نافلة القول تكمن في كون الذاكرة الإنسانية دوما مشرعة على صدى الإبدالات الواشية بدال بديهي مفاده أنالأسماء الوازنة في كليتها إنما تصنعها قصيدة لا أكثر، لذا نحن معنيون اليوم أكثر من أي وقت مضى،بالنبش في سير هامات تشهد لها الصولة بين مجايليها والامتداد وموازاة الفضول الإبداعي في جرأة وسيزيفية تخترق حجب الغيب صوب سرّة النص الطيفي، بصرف النظر عن خلاف ما يفضي إلى مضاعفة المكاسب المعرفية والجمالية ويقلّص الهوة بين الألسن والأجناس.

*كاتب مغربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة