أوهام التأريخ وفوبيا العقل الثقافي

علي حسن الفواز
التوهم بحصانة التاريخ ظلَّ مثارَ جدلٍ وخلافٍ وصراعاتٍ لم نزلْ نعيش الكثير من تداعياتها ورعبها، كما أنَّ النكوصَ الى الماضي بوصفه أفضل من الحاضر تحوّل الى إشكالية خطيرة تهدد العقل العربواسلامي وتصنع له الكثير من(الفوبيا) الثقافية، والكثير من المريدين والانتحاريين والباحثين عن التطهير، فضلا عن تحوّلها الى ممارسة ضاغطة قطعت الطريق على أية فعالية نقدية للإصلاح والتحديث والتنوير وفكِّ التباسات هذا التوهمات..
فبقدر مايكون هناك زمنٌ تأسيسي، وهو شأنُ كلِّ الحضارات والأفكار والمجتمعات، فإن نموها وتضخمها يمثل أيضا شأنا وجوديا يخضع لعوامل الاستعمال والتعرية والتراكم، وينعكس بمعطياته على كلّ التطورات والتحولات التي تعيشها تلك الحضارات والأفكار والمجتمعات، فضلا عن طبيعة مايتداعى من اشكاليات متجددة تمسّ حاجتها وأسئلتها..
غياب أفق المعرفة بالحاضر يعني غياب الفاعلية الثقافية والحضارية للتعاطي مع استحقاقاته وأسئلته، كما أنّ الشك به والتأبّد في الماضي تحت معيار المقدس والنشوء والتصور الصالح أفقد تلك الفاعلية قدرتها على التجدد، وعلى التقدّم وعلى قراءة الحاجات في ضوء التحديات، وعلى تأهيل القوى المجتمعية الثقافية والاقتصادية والسياسية على مواجهة عُقد التأخر، والتخلف، وبالتالي فقدان الإستعداد للانخراط في المشاريع الستراتيجية للتطور والإصلاح والتنوير والتنمية..
كما ان هيمنة الماضي وتغويل (المقدسَّ) به يلقي بظلاله على تعطيل إعادة قراءته، وعلى ايجاد أطر تفاعلية تُبشّر بقيمه الأخلاقية السامية، فضلا عن التبشير بها في الحاضر والمستقبل بوصفها قيما مؤنسنة، وقابلة للتطور على وفق تجديد الوسائل والأدوات والأفكار والمفاهيم، وإتساع مجالات تداولها في سياقات تاريخية ومعرفية مختلفة، إذ سيكون الماضي هنا أشبه ب(الشبح) الذي يفرض خياله على الآخرين، وربما يفرض (مقدّسه) على أساس الإقرار الدوغمائي به، وتكفير كل ما من شأنه أن يجعله بعيدا عن ذاكرة الناس ويقينياتهم التي كرسها الماضي عبر قنوات السلطة/ الأيديولوجيا، وعبر شرعنة الحاكمية في الفقه وفي المرجعيات، وهذا مايسهم في تحوّل الماضي الى نظام من العلامات، أو الرموز التي تصطنع لها- عبر اللاوعي الجمعي- مظاهر للقوة ومدونات وطقوسا وأفكارا ومريدين، تلك التي تتحول فيما بعد الى سلطة لاوعية تتحكم بالوجدان الشعبي من جهة، وتفرض خطابها الضاغط على أية محاولة عقلانية للتجاوز ولأنسنة المجال الثقافي وأسئلته النقدية..
مظاهر التأخر التي نعيشها اقترنت بقيم نقلية قارّة، وبأطروحات رفضت القبول بالتحديث بوصفه(بُدَعة) كما أنَّ هيمنة قوى المثيولوجيا الشعبية على البيئة السياسية وعلى العقل والمعرفة، وفي السيطرة على الثروة والعنف أدّت بالضرورة الى إنتاج العديد من مظاهر السيطرة والرعب والإخضاع، بدءا من صناعة(المكان الضيق) أو (المدينة/ الحصن) والتي تفتقد لأي شرط للتعدد والاختلاف والتعايش والتعاقد، وإنتهاء بصناعة(الجماعة/ الفرقة) المسكونة بأوهام النجاة، والطُهر التاريخي..
تلك المدينة/ المكان تخضع لمجموعة المهيمنات الرمزية التي تختلط فيها السلطة مع المقدس، وهو مايجعلها أكثر استعدادا لاستقبال وتنامي الأفكار المتشددة بوصفها أفكارا صيانية من جانب، أو أفكارا تُعبّر عن الخضوع والتمثّل والتابعية للمقدس ورمزياته وأساطيره المهيمنة، مثلما تتحول الجماعة الى قوة عنف وتكفير وانغلاق لحماية وهم المكان والنص ومنقولاته ..
التسليم بوجود المرحلة المتقدمة في التاريخ كما يسميها عبد الله العروي يعكس وجود فجوة من الصعب للعقل الحداثي أن يتجاوزها، لأنه يعني هنا تجاوزا لاستيهامات المقدس، وهو مايجعل أي فعل للثورة أو التقدّم أو النهضة خاضعا لتوصيفات لاتقلل من شأنه حسب، بل تضعه في سياق استعادي لجوهر تلك المرحلة ولخطابها ولرمزيتها، ولعل ماسُمّي بمرحلة الإحياء في القرن التاسع عشر كانت تتمثل الكثير من مظاهر هذه المرحلة، لاسيما في توصيف خطاب النهضة، إذ ارتبط بفكرة إيهامية لإحياء(الذات القومية للأمة) وفي التوصيف الأدبي عبر استعادة (وهم الفحولة الشعرية) وبعض أنماط بلاغتها وقوتها…
مفهوم(التأخر) ومفهوم(الماضي) يحتاجان الى مراجعة وفحص، والى قراءة تفكيكية تضع خطاباتها في سياق القراءة والمعاينة، وعند ضرورات الحاجة، إذ لايمكن فصل الثقافة عن الحاجة، ولايمكن فصل فهم الحضارة عن علاقتها بالعصر وضروراته وعلائقه وشروطه، وحتى أطروحات الشيخ رفاعة الطهطهاوي والشيخ محمد عبده والكواكبي ظلت مسكونة بهاجس احيائي، وهو عودة الى ماطرحه بن رشد حول تلازم فكرة التجديد مع جوهر المجال الفقهي في يستند الى مرجعياته بن رشد، إذ أن النزوع المجرد للتجديد والاصلاح سيُفضي الى صراعات والى بُدعٍ قد تكون سببا في نزاعات بين الفرق والجماعات الاسلامية..
كما أن مفهوم(النقد) الذي اقترح منهجيته التحليلية محمد عابد الجابري توزع بين ثنائيتي الفهم والقصد، لأنه افترض تقسيما بين عقلٍ برهاني مغاربي، وعقلٍ مستقيل/ عرفاني مشرقي.. هذا التقسيم الافتراضي أدّى الى بناء تصورات انعكست على طبيعة فهم التاريخ والماضي وآليات نقده، مثلما إنعكست على وضع مناهج تتبنى إطروحات الحفر والكشف، تلك التي اعتمدها ميشيل فوكو في مقارباته للأبستمولوجيا والتاريخ والفكر والسلطة، وللكثير من ظواهر القمع والرقابة التي فرضتها القوة على الآخرين، بما فيها قوة التاريخ وقوة السلطة..
إن الحديث عن اشكالية فهم الماضي، وإمكانية وضعه في سياق معرفي يصطدم اليوم بتعقيدات خطيرة، تمثل السلطة والجماعة أبرز القوى المُعقدة التي تواجه هذا التموضع، وهذا مايؤشر بطبيعته وجود تقاطعات كبرى، وهيمنة سرديات كبرى، فضلا عن وجود بيئات تتكرس فيها صيانة فكرة الماضي بوصفه التاريخي بوصفه كمقدس أو كقوة أوكجماعة أو علاقة للعصبية التي تحدث عنها كثيرا بن خلدون..
من هنا تأخذ الحاجة الى اعادة قراءة التاريخ أهميتها، ليس لإعادة انتاجه أو غربلته كما يقول البعض، بل لتأطيره في سياق زمني أولا، وفي سياق ثقافي ثانيا، لأن السياق السياسي العربي سيكون مانعا لأية قراءة من هذا النوع، لأن هذا السياق ونظامه كثيرا مايتحصن بقوة التاريخ/ الماضي ليدافع عن مظاهره الاستبدادية والسلطوية، وعن رمزيته وعن فهمه الاستعلائي للجماعة ولمرجعياتها السياسية والفقهية، والتي هي بالأساس مرجعيات تخص السلطة والحاكمية…

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة