من يتصدّى لثقافة الخواطر؟

سلام مكي
يقال ان الجاحظ، في بدايته مع الكتابة، عانى من تجاهل القراء لكتاباته، التي تواجه نقدا لاذعا يصل الى حد التجريح من قبل نقاد عصره، لا لشيء الا لأنه هو من قام بتأليفها، فاتخذ طريقا تفادى من خلاله الاهمال والنقد عبر نسب كتبه الى اسماء ومؤلفين بارزين في عصره، كالخليل بن احمد وابن المقفع وغيرهم. ذلك انه كان صاحب رسالة، اراد من خلال تأليف الكتب ان يوصل رسالة الى الناس فقط، وليس مهما لديه ان يكتب اسمه على تلك المنجزات. اليوم لو عاد الجاحظ، وتعرض لنفس الموقف، فلا اتصور انه سيفكر نفس التفكير، بل انه سيعمد الى نسب اسمه الى بنت مع وضع صورة لفتاة بكامل زينتها في الغلاف، ثم يعطي هوية للكتاب على انه: خواطر. وهكذا يضمن انتشارا واسعا لكتابه، بل انه سيضمن انه سيطبع طبعتين او اكثر، حسب المزاج العام للقارئ. الحال في سوق الكتب هذه الايام، يشير الى اقبال شديد من قبل شريحة واسعة من القراء على اقتناء كتب الخواطر والانطباعات الشخصية، لمجموعة من الاسماء غير المعروفة في الوسط الأدبي. حتى ان بعض تلك الكتب تتصدر اغلفتها عبارة: الطبعة الرابعة او الخامسة! وهو ما يدل على ان الاقبال عليها كبير. ولو طالعنا بعضا من تلك الكتب، لما وجدنا شيئا له صلة بالأدب بوصفه الجمل التي تترك اثرا نفسيا عند قراءتها، او تغير من مزاج القارئ وتنقله الى عوالم خاصة به. فهي كما توصف نفسها، كتب خواطر ناتجة عن انفعالات عاطفية او تراكم عاطفي، تمخض عن ولادة كائن، يدعي انه ينتمي الى جنس معين. المشكلة ان لا احد قال له: انك على خطأ، فأنت لست منا. فلا يعقل ان نعتبر كتابة عنوانها: ختيلان.. الركيضان.. بيت بيوت. من صنف الأدب، مهما كان توصيفه. لكن الغريب، ان مواجهة هذا النسق من الكتابة، جاء من قبل شرائح بعيدة عن الادب، وقبل صدور تلك الكتب، وهذا ما يتبين لنا من قراءة الاهداءات التي تهدى لأشخاص سخروا من تلك الكتابات. تلك الكتابات، التي تحاول اسداء النصائح الى الآخرين، تحاول ان تشكل كتلا اخلاقية تبدو كأنها صادرة من شخص افنى عقود من عمره في قراءة الحياة والواقع ثم قرر تدوين تلك القراءات والمشاهدات في كتاب. كل هذا، يمكن ان يكون مبررا في ظل الدعوة الى تقبل الآخر والانفتاح على المختلف ثقافيا وادبيا. فمن حق اي شخص ان يكتب ما يشاء ويطبع ما يشاء مادام يملك ثمن الطباعة. لكن السؤال الاهم: لماذا يعزف القارئ عن الاسماء المهمة في عالم الكتابة ويلجأ الى كتاب الخواطر؟ لماذا يفضل القارئ الخواطر على الادب؟ هل هناك علاقة بين المستوى الفكري والثقافي لذلك القارئ وبين تلك الكتب؟ هل الكتب الرصينة لا تلبي الحاجة الثقافية للقارئ؟ نحتاج الى مثقف جريء يتصدى لهذا الأمر بعيدا عن التجريح والتشهير، بلغة نقدية عقلانية، والا فان المستقبل سيكون للخواطر على حساب الشعر والقصة والرواية.

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة