الأخبار العاجلة

«الفتنة» والزمن الدائري للطاغية والطغيان..!!

حسن خضر
ينشر بالاتفاق مع صحيفة الأيام الفلسطينية.
يعالج كنعان مكيّة في «الفتنة» ماهية الخيانة، وينسج حبكته حول جريمة قتل، في مدينة النجف، ينتمي القاتل والقتيل فيها إلى عائلتين تتنافسان على رأس المال الديني، وسلطة ما بعد صدّام، ويمارس عارفو خفاياها، والمطلعون على حقيقتها، دور شاهد الزور. وتتجلى، في سياق كهذا، أعلى مراحل الفصام الأخلاقي في حياة الفرد والجماعة، بكونها خيانة الحقيقة: بالتواطؤ، أو الصمت، والإنكار، ولدى الفرد، كما الجماعة، ما يفي بالغرض من الأسباب والمرافعات المنطقية، التي تجد ما يبررها في قيم سائدة.
يصل الفصام أعلى مراحله عندما يصبح مُعدياً (على طريقة الأمراض السارية) ويتمكن من تطبيع وجوده ليصبح كالهواء نعيش به، ولا نتوقف عند كل شهيق وزفير للتساؤل حول ضرورته ومعناه. فالحقيقة، ككل شيء آخر في ظل الطاغية والطغيان، لا تُقاس إلا على مسطرة فنون البقاء، ومدى قدرة الفرد والجماعة، على طرد الضمير من وظيفة الرقابة الأخلاقية.
ولا يهم، في الواقع، ما إذا كانت حادثة القتل في «الفتنة» واقعية أم مجازية، بل حضورها في السرد الروائي كلحظة مفصلية تنفتح على احتمالين: الأوّل، ما هو كائن اليوم، أي كل ما استدعى اعتذار مكيّة، وما سوَّغ كتابة نص كهذا، والثاني ما كان يمكن أن يكون، أي تحرير الفرد والجماعة من براثن الفصام، وطرد الخيانات الصغيرة والكبيرة، الفردية والجمعية، من ضرورات البقاء.
وبهذا المعنى نقرأ المشاهد الافتتاحية، التي تُصوّر إعدام صدّام، والختامية، أي حواره المُتخيّل مع اثنين من حرّاسه، أحدهما الراوي نفسه، بكونها وسائل إيضاح وتمثيل، فتحتْ قوس الدائرة وأغلقته، في محاولة من السرد الروائي لمحاكاة للزمن التاريخي نفسه. فزمن الطاغية والطغيان في «الفتنة» دائري، بداياته أزمنة غبرت، وتحت قناع كل ما يوحي بنهاية مُحتملة تبرق أعين أشباح بدايات أقدم.
في الحوار المُتخيّل يقول صدّام للراوي: «أنا خلاصة خمسة آلاف سنة من تاريخك». ويُغلق الراوي، القابض على سلاحه كملاذ أخير، قوس الحكاية، بالكشف عن موت المعنى، واستحالة الفوز في حرب مستحيلة: «لا أسوار تحمينا من أنفسنا، لا متاريس، ولا حتى خطوط أمامية في الزوايا المُظلمة الغارسة في نفوسنا لندافع عنها». هكذا يقف ضحية الطاغية، وجلاّده، في آن، في لحظة الفوز العظيم عارياً وفارغاً من المعنى. الطغيان، في تاريخ بني البشر، أطول عمراً من الطغاة، ومن هؤلاء من حكم وأفسدَ، وما زال، من قبره بنجاعة أكثر مما فعل في حياته.
بيد أن حقيقة كهذه ينبغي ألا تحجب عن أعيننا حقائق إضافية. يمكن أن أزعم، مثلاً، أن الضحية والجلاّد لم يكن مرشحاً لفقدان المعنى لو التقط القائمون على مصير العراق والعراقيين، بعد الإطاحة بالنظام الصدّامي، حقيقة أن التسامح أقوى وأشد تأثيراً، وأبعد أثراً، في حياة الفرد والجماعة، والإنسان، والأوطان، من غريزة الثأر.
ولكن، هل كان من الممكن أن ينجو هؤلاء من عدوى الطاغية والطغيان؟ وهل كان من الممكن أن يحرروا أنفسهم من طغيان قرون طويلة تتجلى في متواليات متلاحقة من العنف، فتاريخ العرب أكثر الطغاة ديمومة، وأشدهم فتكاً؟
في إطلاق الأحكام السريعة ما يُشبع الغرائز، وما يُسهم في تصفية الحسابات. وبقدر ما يعنيني الأمر، الواقع أن ما حرّض على قراءة «الفتنة»، في المقام الأوّل، تمثّل في كلام شاع عن اعتذار صاحبها عن مشاركته في معارضة خذلت العراق والعراقيين، ولكنني عثرتُ في ثناياها على أسئلة وجودية لا ينبغي التقليل من شأنها. كما وجدت في الاعتذار نفسه مدخلاً يتصل بواقع، في مكان آخر، يتجلى أمام أعيننا هذه الأيام. وأعني بذلك الصراع في سورية وعليها.
في زمن النظام الصدّامي، تحالف بعض المعارضين مع «الشيطان» نفسه في سبيل القضاء على الطاغية. و»الشيطان»، هنا، تسمية مجازية تصدق على أطراف قريبة وبعيدة، إقليمية ودولية، عربية وغير عربية، لا تتطابق مصالحها، بالضرورة، مع مصالح العراق والعراقيين، وإن تقاطعت في مراحل بعينها مع مصلحة فريق من المعارضين. واليوم، تبدو تلك العلاقات والتحالفات، ناهيك عن كارثة الاحتلال، وما نجم عنها من آثار مرئية، وغير مرئية، مباشرة، وغير مباشرة، قصيرة وبعيدة المدى، بكونها جزءاً مما أوصل العراق والعراقيين إلى ما هم فيه، وعليه، هذه الأيام.
وهذه الخلاصة مفيدة ومطلوبة وضرورية في سياق الكلام عن المعارضة السورية، التي تقاوم هذه الأيام نظاماً من أنظمة الطغيان لا يقل عن النظام الصدّامي بشاعة. فبعض المعارضين بلغ به اليأس حد محاولة الاستعانة حتى بإسرائيل، واقتراح التحالف معها، والبعض زارها لتحقيق غاية كهذه. هناك، أيضاً، من يضع بيضه في سلة الأميركيين، والأتراك، والسعوديين، والقطريين. وبهذا المعنى تصلح «الفتنة» كوسيلة إيضاح، وذاكرة للنسيان. فلا يحتاج أحد، بعد زمن قد يطول أو يقصر، إلى رواية جديدة يكتبها معارض سوري سابق، لتصفية الحساب مع زملائه السابقين، والاعتذار عمّا وقع من خطايا في زمن مقاومة الطاغية والطغيان.
بهذا المعنى تتجاوز دلالة «الفتنة» حتى رغبة صاحبها في «التكفير» عن خطايا الماضي الشخصي، في نوع من البوح المؤلم والشجاع، وتصفية الحساب مع الحكّام الجدد، في بغداد. وبهذا المعنى، أيضاً، نعود إلى مقالة سبقت عن «مشروع مكيّة الفكري»، الذي يُسهم في توسيع المعاني المُحتملة للطاغية والطغيان، فكلاهما يعيد إنتاج معارضيه على صورته، لنرى الضحية وراء قناع الجلاّد عارياً وفارغاً من المعنى، ونسمع أصداء سؤال الأسئلة: كيف يكسر العربي متوالية العنف، ويخرج من الزمن الدائري للطاغية والطغيان؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة