الأخبار العاجلة

المثقف اللغْوي

ركام من العناوين والألقاب والتسميات تجبر حتى غرامشي بجلال قدره على الاستسلام في مهمة العثور من بين حطامها، على من تنطبق عليه ما جاء بمعاييره حول (المثقف العضوي). لا شيء في مضاربنا المنحوسة غير ما يمكن ان نطلق عليه بـ (المثقف اللغْوي) وهو مخلوق مسكون بفتات من العقائد والمفاهيم والديباجات التي تنطبق عليها مفردة (لملوم).
لحظة تلقف شحاطات أطفال بغداد لرأس مارشال الأصنام المترافقة مع المشهد الذي تناقلته وسائل الاعلام العالمية لأبو تحسين وهو يهوي بشحاطته الاسطورية على صورة الطاغية معاتباً المجتمع الدولي بصرخته المعبرة: (انتو متدرون اسوه بينه هذا)؛ كانت فاصلة لا في تاريخ العراق الحديث وحسب، بل كشفت عن زيف عدة الكثير من المنتسبين لنادي الثقافة والمفاهيم والديباجات والنشاط السياسي بواجهاته المختلفة.
في الوقت الذي سارع بعض المنفيين (من الذين وافقوا بريخت بعدم دق مسمار واحد في جدار المنفى) للعودة الى وطنهم، رامين خلفهم كثبان النصائح التي وجهت لهم؛ حول مخاطر مثل هذا القرار، كي يضعوا قسطهم المتواضع لخدمة شعبهم بعد زوال سلطة “المنحرفون” التي أجبرتهم على العيش في المنافي؛ قفز غير القليل من المنتسبين مبكراً لقافلة (باي باي عراق) صارخين: لن نرجع للوطن المحتل..؟!
لقد عشت ما يقارب الربع قرن في المنافي المجاورة للعراق، كنت وعدد قليل من معارضي النظام المباد، نرفض كل الفرص التي توفرت لنا للهجرة الى المنافي البعيدة، والسبب هو ذاته الذي دعانا لمواجهة الدكتاتورية وقيمها لا في سلطة البعث وحسب بل في فصائل ما كان يعرف بـ (المعارضة).
في هذا المشوار المرير اكتشفنا حجم البؤس الذي تتخبط فيه غير القليل من حشود هذه المعارضة، وخاصة المتنطعين منهم للشأن الثقافي والمعرفي. لذلك لم نستغرب من استدارتهم الرشيقة هذه حول شماعة (مقاومة المحتل) والتي التقت وفزعة فلول النظام المباد وواجهاته الجديدة.
لحظة سقوط الصنم في ساحة الفردوس، هرعت عفوياً الى محلات (علوان) لبيع الحلويات في الشام، لاشتري منه علبة بقلاوة كبيرة، وقد وزعتها وسط دهشة المارين في منطقة البحصة. لا يمكن ان يجادل على مثل هذا الشعور بالفرح لزوال أبشع تجربة لمسخ واذلال البشر؛ الا مجاميع الفلول والمتجحفلين معهم بشعارات انتهت صلاحيتها منذ زمن بعيد. لحظة لا تحتاج للاستعراضات الخاوية والمزاودات، من لم يهرع للعودة الى وطنه آنذاك، عليه ان لا يشك ولا للحظة واحدة، بطبيعة اولوياته وحساباته الحقيقية.
لا نحتاج للمنازلة مع مثل هذا النوع من (المثقف اللغْوي) حول مفاهيم؛ الاحتلال والمقاومة والعداء للامبريالية والاستعمار وعاشت فلسطين حرة عربية.. وغير ذلك من اليافطات التي شحبت معانيها وشحناتها عما كانت عليه زمن الحرب الباردة. أكثر من اربعة عقود من التجربة السياسية المريرة، اجبرتنا على مواجهة التحديات والمخاطر الواقعية لا الشعاراتية والمشاريع الفنطازية للعقائد النافقة. لقد عاتبنا عدد من المعارف في الشام، كما هو حال جوقة (الاحتلال)، على سعادتنا بزوال النظام السابق وسقوط البلد تحت سلطة الاحتلال، بوصفهم حريصين أكثر منا على وطننا واهلنا، واكثر استيعاباً لدسائس الامبريالية والاستعمار…؟!
رجعنا للعراق وعشنا تجربة لم تقل قسوة عما شهدناه في المنافي، والحق يقال؛ صدق من حذرنا من مغبة العودة، ولذلك نحن لا ننصح زملاءنا في المنافي وخاصة المنضوين تحت لواء (المثقف اللغْوي) من العودة للوطن، فليواصلوا عبر المراسلة نضالهم العنيد ضد الاحتلال، وباقي سلالات الامبريالية والشيطان باحجامه الكبيرة منها والصغيرة، وعسى ان ينالوا ثواب المنفى والآخرة..!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة