قراءة في رواية (خان الشّابندر) للكاتب العراقي محمد حيّاوي

البغاء.. بين الإسقاط السياسي والترميز
حسني الجنكوري
الغلاف الأوّل
لقطة بعين النسر وفق ما تراه عين الفنان التشكيلي التي يتمتّع بها المؤلف، تُظهر بقايا أطلال وخرائب جار عليها الزمان ولكنّها مازالت تحمل عراقة الأصل والمحتدى، تبدو كأثر تاريخي يحكي عن حضارات قديمة يذكّرنا الكاتب فيها بحضارات سومر وبابل وآشور. ترقد فوق الأطلال حسناء جميلة بملامح عراقية أصيلة تتدثر بغطاء ملوّن تبدو عليه بقع حمر لدماء تقطر على جدران الأطلال، متوسدة حاشية قانية بلون الدماء.!!. (واضح هنا أن الكاتب قد استفاد من دراسته وتخصّصه في التصميم الغرافيكي ليقدّم لنا غلافاً جميلاً ومعبراً وذا دلالات عميقة المعنى).

الغلاف الخلفي
حمل النص المختار له بشكل مباشر ليكشف عن ما ورد بين دفتي الكتاب ومتنه من معجزات صغيرة تتعلق ببطلات الكاتب وشخصيته الصوفية والعجائبية «مجر» وآراؤه الفلسفية العميقة في الحياة.

العنوان
«خان الشّابندر» بما يحمله من فخامة يحيلنا إلى الماضي التليد وعبق التاريخ وقت ازدهار تجارة الفضة وما يعرف بالمغازات التي تخزّن فيها البضائع الثمينة، وشخصية شيخ التجار في هذا السوق أو تلك الناحية، والخان كلمة تعبّر عن مكان أو محل لبيع البضائع واستراحة المسافرين ولا مثيل له إلا في الشرق، حيث كانت بغداد ملتقى للتجارة العابرة للبلدان والأقاليم.
ولم يرد في الرواية أي اهداء يعد كعتبة إضافية للنص غير كلمات الشاعرة الأفغانية «رحيلة موسكا» التي قتلها رجال طالبان تقول فيه: «جسدي طازج مثل أوراق الحنّاء.. أخضر من الخارج ، لكنّه لحم نَيئ من الداخل!». وأجد في هذه المقولة تطابقاً في المعنى مع كلمات «مجر» إلى «نيفين» واصفاً حال بطل الرواية «علي» بقوله: «- انتبهي له.. مازال لم يخض التجربة على ما يبدو». وعلى الرغم من أن الرواية لم يرد في آخرها فهرست يقّسمها إلى فصول، إلا ان الشخصيات الرئيسة، وحتى الفرعية، كانت لها قصص مكتملة كل منها تصلح لتكون موضوع رواية مستقلة، بدءاً بقصة الصبية «زينب» بائعة الكعك، مروراً بقصص «نيفين» و»سالم» و»أم صبيح» و»ضوية» وانتهاءً بالشخصية العجائبية الموغلة في الفلسفة «مجر»، وكذلك هو الأمر مع شخصية «أبو حسنين المصري» المستوطن في العراق وحكايته المحزنة. لقد أجاد المؤلف رسم الشخصيات بدقّة تكاد تتجسد معها تلك الشخصيات بلحمها وشحمها وتتحرّك أمامنا. حتّى الشخصيات غير الرئيسة، كما أن تركيز الكاتب على استخدام تقنية الحوار وابتعاده عن السرد المباشر، أو التقديم والتأخير، أضاف حيوية وحركة وترقب ودهشّة للقارئ، حتّى أنّني استدرجت مضطراً لقراءة الرواية في جلسة واحدة.

اللغة
جاءت اللغة في رواية «خان الشّابندر» بمنتهى الدقّة والعذوبة، المفردات فيها مثصرفة، حتّى شككت بان يرد فيها، مع تواصل القراءة، بعض الأغلاط اللغوية أو الاملائية، خصوصاً في بعض المقاطع التأملية والفلسفية، سواء أثناء حديث البطل «علي» أو «مجر»، لكنّها – اللغة – كانت في منتهى البلاغة والحكمة لدرجة انّها تناسقت مع الحقيقة التي كان يبحث عنها «علي» في منزل البغايا، فقد انطوت على كم هائل من الرومانسية والخيال الخصب، وإن جاز لنا التعبير، يمكن أن نعد هذا النص من أدب البغاء الثر الذي يحيلنا إلى نصوص عالمية مثل «الحرب والسلام» لتولستوي و»أيرما لادوس» لشارلي ماكلين و»غادة الكاميليا» لجاك ليمون. وحتى للكثير من النصوص المعروفة في الأدب العربي، مثل «السمان والخريف» لنجيب محفوظ و»قاع المدينة» ليوسف أدريس وغيرها.

المكان
لقد استخدم الكاتب المكان في الرواية لفرض اسقاطات سياسية، حيث المكان دائماً بغداد باحيائها وشوارعها وازقّتها، وإذا كان «الخان» يمثل في الرواية العراق بأسره، فان «هند» تمثل بغداد بعراقتها وثقافتها وكبريائها وشموخها، بعد أن سقطت في الخطيئة وتلوثت بالبغاء، لكنّها لم تزل محتفظة بكبريائها وانفتها وعزها، لا سيما عندما تتحدث مع «علي» عن عيون الأدب والمراجع للحصري والقيرواني وقِصّة «صبح» الجارية ومولاها..»…- يا عيني عليكِ يا صبح.. لقد جبرت خاطري» وهي ترقص فرحاً لرفض الجارية حب القيرواني وتخييب رجاء مولاها في التواصل معه وهو الشاعر الضرير العاشق لها. أو في مقطع آخر عندما يسألها «علي» على من تسقط كلمات الأغنية الجميلة «بيني في الحبِ وبينك ما.. لا يقدر واشٍ يفسده»، فتنظر إليه حائرة، وبعد تردّد تقول له «عليك».. وغيرها الكثير مما يرد في سياق الحوار المتداخل مع لغة السرد الآسر، مثل: «- تعرف؟.. لم أصادف رجلاً يحترمني منذ سنوات طويلة.. الجميع يعاملوني كحيوانة يفرغون فيها سمومهم ويمضون– ص 38». لقد زاد من حبكة الرواية ومتانتها اختيار الكاتب لضمير المتكلم وهو يسرد الواقائع بين الشاهد العليم والمشارك في الأحداث، بل والصانع لها.

الواقعية السحرية – بين متعة
الحكي ولذّة اللغة
وهذا ما يشعر به القارئ لرواية «خان الشّابندر» في أكثر من موضع، كما لو كان الكاتب يعيد انتاج رواية غابرييل غارسيا ماركيز «الحب في زمن الكوليرا»، لكن على طريقته الخاصّة، إذ يحل «علي» محل «فلورنتينو اريثا»، وتحل «هند» محل «فيرمينا أديثا» التي تتبادل الحب في مكان ما بمنطقة الكاريبي ذات الحر الخانق والفقر المدقع والمرض الذي يحصد البشر بشراسة لدرجة نرى فيها الجثث ملقاة في الشوارع، بالضبط كما هو الحال في «خان الشّابندر» المهدَّم الذي تسكنه رائحة الموت والجريمة والفقر المدقع، وحيث يبتعد الحبيبان ويفترقا ثم يعودان للقاء مرّة أخرى عندما يعيد «علي» محاولاته للعثور على «هند». ومن موضع العجائبية الممتزجة بالأسطور، على طريقة ماركيز في الواقعية السحرية، نجد في ص 52 مقطعاً تقول فيه «نيفين» لـ»علي موحان» بطل الرواية مانصّه: «- لا.. أنها سيدوري.. صاحبة الحانة.. التي روّضت أنكيدو وواست جلجامش.. ألا تعرفها؟.. ما بك؟..
– أها!!.. نعم .. تذكّرت قِصّة سيدوري صاحبة الحانة..
لكن نيفين منحتها ملامح وحشية غريبة فيها الكثير من الغموض والإثارة!..
– هي صديقتكِ إذن؟
– نعم.. في ليالي الشتاء الطويلة، تخرج من الإطار وتحضر كأسها معها وتجلس معي لتناجيني.. أشكو لها همومي وتشكو لي همومها.. مرّة حكيت لها عنك..
كانت نيفين تحكي عن سيدوري بجديّة وفرح أثارا فضولي..».
أو كما ورد في ص 54: «- هل تتحدث بجد؟.. ما بك؟.. هل جننت؟.. سالم مات منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة.!.. ألم يعدموه بالرصاص وقتها؟!..» أو «- لا.. وضعك ليس طبيعياً.. أنت تخيفني حقّاً.. لقد تعبت.. ساخبر أصدقاءك في الجريدة ليجدوا حلاً معك واخلي مسؤوليتي».
كما أنّنا نجد الرمز واضحاً في حكاية «أم نعيم» مع «أبو حسنين» مصلّح المدافئ، وكأنني أرى في المدفأة معادلاً موضوعياً لدور مصر التنويري الباعث لدفء العروبة المفقودة، وولده – حسنين – الذي استشهد في الحرب مع إيران بعد ان حصل على قطعة أرض في الثمانينات أيام الخالصة، القرية التي أنشأها «صدّام» قرب الخالص.. استشهد حسنين بعد ذبحه على يد الإيرانيين ولُف في العلم العراقي «الأخوة العراقيون لم يقصروا في شئ» أو «ماتت أمه بحصرته لتدفن معه في مقابر الخالصة، ويذهب – أبو حسنين – لزيارتهم في الأعياد ويقرأ لهم الفاتحة ويحكي لهم عن الحال والأحوال التي لا تسر في العراق بعد ان خرّبت الحرب كل شئ يا أستاذ».. وهكذا يتكرر حديث أبطال الرواية إلى ألمواتى، حتّى مع «زينب» حين تحدّث أمها وهي تجلس أمام قبرها وتعرّفها إلى الأستاذ علي «على موحان» وهو يتعجب من سولكها. ويلاحظ ان أغلب الشخصيات في الرواية تتحدث من واقع اللاوعي الذي يختلط بتيار الوعي حتّى تتشابه الشخصيات، من الناحية النفسية، مع بطل الرواية «علي» الذي ينبعث حديثة من واقع اللاشعور.

* ناقد مصري مقيم في مدينة الأسكندرية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة