آخر الرجال الصامدين

مارك ليونارد
مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
يبدو أن قسما كبيرا من الساحة الجيوسياسية يتبع الحبكة الروائية للدراما التلفزيونية «لعبة العروش»، حيث ترزح بلدان عديدة تحت وطأة الضغوط السياسية والاقتصادية حتى يصبح أملها الوحيد أن ينهار خصومها قبل أن تنهار هي. ولهذا، تتشبث حكومات هذه البلدان بالسلطة في حين تستغل نقاط الضعف الداخلية لدى الخصوم.
ويُعَد الرئيس الروسي فلاديمير بوتن مثالا في الصميم في هذا السياق. فقد تبدو حملاته الأخيرة في سوريا وأوكرانيا أشبه بتصرفات قرصان جيوسياسي. ولكن أصل هذا النزوع إلى المغامرة يرجع إلى الضعف الداخلي. فكان ضم روسيا لشبه جزيرة القرم على سبيل المثال محاولة لتزويد نظام بوتن في عموم الأمر بشرعية متجددة في أعقاب شتاء السخط، عندما نزل المتظاهرون إلى الشوارع احتجاجا على عودته إلى الرئاسة.
وقد فرضت القوى المنافسة ــ وأبرزها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ــ العقوبات على روسيا على أمل توسيع الشقوق في صفوف النخبة الروسية، استغلالا لحقيقة مفادها أن بوتن لم يعمل على تنويع اقتصاده بعيداً عن النفط والغاز. ويأمل بوتن بدوره أن يظل اقتصاد روسيا طافيا لفترة كافية لانهيار أوكرانيا. وفي التعجيل بهذه العملية، لم يدخر الكرملين جهداً لزعزعة استقرار البلاد: فأطلق توغلات عسكرية، وتلاعب بسياسة الكرملين مستعملاً الابتزاز في مجال الطاقة، وانخرط في حرب المعلومات.
يرى بوتن أن الاتحاد الأوروبي يعاني من العيوب نفسها التي شابت الاتحاد السوفيتي في الماضي، عادّا إياه مشروعا متعدد الجنسيات مغرقا في المثالية ولابد أن ينهار تحت وطأة تناقضاته. وهنا أيضا بذل الكرملين قصارى جهده للتعجيل بالانهيار، من خلال دعم أحزاب اليمين المتطرف في شتى بلدان الاتحاد الأوروبي. ويبدو أن بوتن يأمل أن يفقد الاتحاد الأوروبي قدرته على الإبقاء على العقوبات إذا صوتت المملكة المتحدة لصالح الخروج البريطاني وانتُخِبَت مارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية رئيسة لفرنسا.
ولم يكتف بوتن بأوروبا. فبعد أن أسقطت القوات التركية طائرة حربية روسية بالقرب من حدودها مع سوريا في نوفمبر/تشرين الثاني، تبنى بوتن سلسلة من التدابير الرامية إلى زعزعة الاستقرار في تركيا من الداخل. وعمد إلى فرض العقوبات الاقتصادية، ونشر الشائعات حول الفساد في الدائرة الداخلية المحيطة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ودعا زعيم حزب كردي إلى موسكو، ويُقال إنه أرسل الأسلحة إلى حزب العمال الكردستاني المتشدد. ويعتقد الباحث السياسي إيفان كراستيف أن «بوتن استثمر الكثير في سياسة طويلة الأجل تهدف إلى إضعاف اقتصاد تركيا وتقويض أردوغان سياسيا».
وفي مكان آخر في الشرق الأوسط، يخوض النظام الملكي في المملكة العربية السعودية وحكومة رجال الدين في إيران سباقاً من أجل البقاء. لقد تهدم الاقتصاد الإيراني بعد سنوات من العقوبات الدولية، ولم تتمكن الحكومة بعد من استغلال الصفقة النووية التي أبرمتها مع الولايات المتحدة لإعادة بناء الاقتصاد. ولكنها تمكنت من حشد الدعم الشعبي بتصوير نفسها بوصفها زعيمة المسلمين الشيعة وتقويض جهود المملكة العربية السعودية في العراق وسوريا والبحرين واليمن.
وقد أصبح التنبؤ بانهيار بيت آل سعود دعامة أساسية في التعليق على أحداث الشرق الأوسط. ولكن المملكة العربية السعودية تراهن على قدرتها على الإبقاء على أسعار النفط منخفضة بالقدر الكافي لفترة كافية لزعزعة استقرار إيران ووضع صناعة الزيت الصخري في الولايات المتحدة خارج الخدمة. حتى أن وزير البترول والثروة المعدنية السعودي علي النعيمي صرح بأنه لن يخفض الإنتاج حتى لو انخفضت الأسعار إلى 20 دولاراً للبرميل. وأضاف: «إذا انخفض السعر، فلينخفض. وسوف يلحق الضرر الشديد بآخرين حتى قبل أن نشعر نحن بأي ألم».
على مسافة أبعد في الشرق، بدأ الطاغوت الصيني يترنح. يتكهن المحلل مينشين باي بأن الستار ربما يوشك أن ينسدل عل حكم الحزب الشيوعي الصيني. وقد كتب: «إن الحزب يعاني من حالة من الفوضى، لأن الحكم الذي أسسه للحد من الحرب السياسية الضروس انهار… وبدأ إذعان الطبقة الوسطى يتآكل بسبب التدهور البيئي، وسوء الخدمات، والتفاوت بين الناس، والفساد».
ومن جانبهم، يراهن حكام الصين على قدرتهم على البقاء حتى في ظل التباطؤ الاقتصادي الحاد مع تفوق البلاد على الولايات المتحدة نموا، وتغيير ميزان القوى في آسيا. ويرجع أحد أسباب تفاؤل الرئيس شي جين بينج إلى الحالة المؤسفة التي أصبحت عليها السياسة في الولايات المتحدة. فلسنوات، ظل الكونجرس عاجزا عن البت في أمر الإصلاحات الداخلية، والآن يفكر العالَم في العواقب التي قد تترتب عل فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني.
ويأمل القوميون الصينيون أن يتسبب انحدار قوة أميركا نسبياً في شرق آسيا في انسحابها، كما انسحبت من مناطق أخرى، بما في ذلك الشرق الأوسط وأوروبا. وفي مقال نشرته الشهر الماضي صحيفة الشعب اليومية في الصين تتكهن بأن إدارة ترامب سوف تتعامل بازدراء مع حلفائها الرئيسين في آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية، فتسمح بذلك للصين بالتحول إلى القوة العسكرية المهيمنة في منطقة المحيط الهادئ. وحتى إذا فازت هيلارى كلينتون بالانتخابات، تعتقد الصحيفة أن الرأي العام الأميركي فقد شهيته للأممية وأن البلاد سوف تدير ظهرها للتجارة الحرة والتدخل الأجنبي.
إن محاولة إضعاف الخصم ــ حتى برغم خطر إلحاق الأذى بالنفس ــ تكتيك مألوف في عالم الأعمال، حيث تخوض الشركات حروب الأسعار، على أمل إفلاس منافسيها أولا وخروجهم من الصناعة. ولكن هذا التكتيك كان أقل شيوعا على الصعيد الجيوسياسي.
في كتابه الصادر عام 1992 بعنوان «نهاية التاريخ والرجل الأخير»، زعم فرانسيس فوكوياما أن العالَم بلغ نهاية التطور الاقتصادي الاجتماعي. وقد خلص إلى أن الديمقراطية الليبرالية هي «الرجل الأخير»، أو نقطة نهاية هذا التطور. ثم تبين أنه كان مخطئاً على طول الخط. فاليوم، لم يعد بوسع القوى العظمى في العالم أن تزعم أنها الرجل الأخير؛ ولا يسعها إلا أن تأمل أن تكون الرجل الأخير الصامد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة