منابر التهديد والوعيد

احدى تجليات المشهد الغرائبي الذي تدحرجنا الى اطواره الاشد زعيقاً بعد الفتح الديمقراطي المبين؛ هو التورم الاسطوري لسلطة وعنجهية غير القليل من رجال الدين، خاصة شريحة الأصغر سناً منهم، الذين منحوا انفسهم قدرات وسلطات لا حدود لها على ما تبقى من المذعورين في الأرض. اورام الهيمنة هذه جاءت بعد التدهور السريع لهيبة ووظائف الدولة وممثليها الجدد، المدججين بتقنيات التملق لرموز تلك الاورام المميتة. لقد أثارت انتباهي تلك الظاهرة، منذ لحظة رجوعي للوطن نهاية عام 2003 وتساءلت عنها وعن جذورها. فجاءت الاجابات متفقة على عدم وجود من يتجرأ من الديناصورات الحالية على الخطابة والوعظ آنذاك، بعيداً عن مشيئة وذائقة الأجهزة السرية المعنية بتوجيه الأئمة والوعاظ. مثل هذه المعطيات تطيح بكل هذه الحماسة المفتعلة وادعاء التقوى والفضيلة واستعراضات الخشية من الله..؟!
سيول من خطب التهديد والوعيد، المصحوبة بنبرة صوت مشحونة بكل ما في ترسانة الكراهة والغضب، لا من كل ما يسيء لمن حاولت السماء تكريمه (الانسان)، بل لكل من يشق عصا الطاعة والخنوع لسردياتهم المتخمة بالنصوص شديدة الانفجار. لم يعد هناك من يردعهم عن غيهم هذا، الذي يتقمص زورا وبهتانا دور ممثلي الله على الأرض. وما مشهد ائمة المنصات في المناطق التي سقطت بيد اعتى العصابات الدينية الاجرامية لاحقاً (داعش) الا مثال صارخ، على عواقب مثل هذا التهاون مع لصوص الأديان والمذاهب والشرائع، والذين ما زالوا يصولون ويجولون على المنابر والمنصات المتخصصة بتسميم الأجواء والمناخات بين سكان هذا الوطن المنكوب من مختلف الرطانات والهلوسات.
لا نقول من يخاف الله، بل من يحب الله حقاً، لا يمكن ان يخاطب عياله بمثل هذه العبارات والاصوات الحقودة والمتوعدة بالويل والثبور. ومن يعرف الله حقاً، يمنعه تواضعه عن التعاطي مع الناس بهذا الشكل من الغرور والغطرسة. أما دروب التوبة، فهي كما جميع قضايا الحياة، لم تعد كما كانت في زمن سفن الصحراء وورش الغزو المتبادل بين الشعوب والقبائل والقوافل. لقد شقت الامم والمجتمعات التي وصلت لسن التكليف الحضاري سبلاً وتشريعات جديدة انتشلت سلالات بني آدم من كوابيس الآثام والذنوب التي رافقتهم طويلاً. لقد انتشلتنا القوات العابرة للمحيطات من براثن أكثر الأنظمة انتهاكاً لحقوق وكرامة البشر، وهي فرصة تاريخية شرعت فيها الأبواب لنا جميعاً كي نعيش كباقي الامم الحرة، لا الخنوع مرة اخرى للمسكونين بعقائد وموروثات الدمار الشامل. من يتتبع مشوار الهلوسة والجنون الجمعي والفردي الذي انحدرنا اليه في اعوام ما بعد “التغيير” سيكتشف حجم الادوار التي لعبها سدنة التهديد والوعيد وتأجيج الثارات الصدئة، في كل ذلك الانحطاط القيمي والاخلاقي الذي انحدرنا اليه. لم يعد لدينا المزيد من الوقت والضحايا المجانية كي نقدمه قرباناً لمثل هذه المخلوقات المهووسة بالعداء للتعددية والآخر المختلف. خاصة بعد النتائج التي حصدناها بهمة وحماسة، استعراضاتهم في مجال العفة والفضيلة والنزاهة والتقوى. حقبة الشيزوفرينيا والغيبوبة هذه، أفصحت عن ملامحها ونتائجها الحقيقية. نحن اليوم بأمس الحاجة الى صحوة حقيقية لا خرافية كما حصل حتى هذه اللحظة، صحوة نسترد فيها كنوز هذا الوطن القديم الحقيقية والمجربة والكامنة في اغواره العميقة المترعة بالتعددية والتنوع وقدراته اللانهائية للخلق والابداع من دون تمييز على اساس الرطانة واليافطات والأزياء.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة