سحر الجمال

تاريخ القبح قديم جدا بقدم جريمة قابيل قاتل أخيه حسب الاسطورة الميتافيزيقية لكن الجمال أقدم منه بكثير لأنه انبثق مع أول رشقة نور فوق موات الارض التي راحت من حينها تنبض بالحياة. بدأ القبح يمتد ويستشري مع بروز عقائد التوسع والايمان بالقوة والسيطرة مدعومة باغراءات الطمع والفتوحات ونهب بلدان وثروات الشعوب الأضعف تارة باسم الدين والحق الالهي وتارة باسم الامة المختارة والعرق المتفوق. في القرن العشرين حدثت كوارث القبح الكبرى: الحرب العالمية الاولى والثانية وضرب مدينتين بقتابل ذرية. وعندنا في العراق اندلعت أكبر ثوارت القبح كان آخرها الحرب العراقية الايرانية وحرب غزو الكويت وحرب سقوط تمثال القبح، ولحد هذه اللحظة علماء الجمال حائرون: هل كلما يزداد العنف يكثر القبح ام ان كثرة القبح يصحبه زيادة العنف، تائهين في حيرة كبرى أيهما يسبق الاخر، معلوم ان الفكر القبيح ينتج العنف وبديهي ان الجمال لا يخرج من العنف مطلقا، لكن هذه الثنائية غير موثوق بها خاصة بعد ثبوت تفوق صاحب الشكل القبيح على نفسه في انتاج الجمال ورواية (الحسناء والوحش) تجسد هذه القناعة بشكل لا يختلف عليه اثنان، والامثلة أكثر من ذكرها حول قبح وجوه فنانين وأدباء وفلاسفة جميعهم اشتغلوا بانتاج الجمال وكانت منجزاتهم تجعلنا ننسى شكل وجوه مبدعيها لا بل نجدهم أجمل من أعمالهم برغم صور وجوههم البشعة، إذن القضية في اللب في الروح في الباطن في العقل وما أشكال الوجوه سوى قشور سرعان ما تنساها العين بعدما ترى جمال اللب والجوهر ولكن السؤال الغاشم: هل يمكن ان يوجد القبح مع الجمال جنبا الى جنب في شخص واحد؟
كل هذه الاسئلة والتفكير أثارها صديق قال لي : كنت أفكر وأخطط للانتقام من شاب صغير يبيع الخصار تجاوز علي حين قال( والله لو واحد غيرك اشبعه قنادر). راقبت هذا الشاب الغر الطائش أين يذهب وأين يقضي أوقات فارغه كما عرفت عنوان بيته بدون جهد كبير. كنت فعلا أنوي الثأر والانتقام لولا مصادفة رؤية وجه جميل فاتن صار امامي رغم أنفي ، وجه نقي عذب راحت عيناي تشرب منه بنهم وترتشف حواسي منه بلذة غامرة، وجه جعلني أنسى الانتقام ونية البطش بذاك الشاب الزعطوط ، لقد قادني الوجه الفاتن بعيدا حتى اني نسيت بماذا تفوه الشاب الطائش. كبرت ونضجت وتساميت بفضل الحسناء التي قتلت بداخلي الوحش، واصابتي عدوى الحب والانقياد للنور، صارت الحسناء لي قدوة أمشي خلف بريقها وقد دفنت جثة الوحش من خلال قدرة وسطوة الجمال، الذي حول عفريت القبح والعنف الى وردة فواحة بعطر الحب والسلام. لقد انتصر الجمال على الانتقام، انتصر علي ولم أقترف الجريمة.
هذا الصديق ارغمني على التفكير والسؤال وايجاد الجواب: بان أصل العنف هو القبح، وأصل الحب والتسامح هو الجمال.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة