هل يتلاشى سراب الإصلاح؟

اسماعيل زاير
لم يبق من هيكل الإصلاح السياسي في العراق الا حلة مهلهلة لا تمت لما اريد من بداياتها بصلة . فالمناصرون للإصلاح لم يفصحوا عما يعنونه بهذه العملية ، والعناوين التي يرفعونها بالكاد تغطي الهدف : القضاء على الفساد واعتقال المفسدين ، هكذا يزعق بضع مئات من المنتشين بوجود كاميرات تلفزيونية وافرة تطرب لهذا الذي يبدو امامهم كمادة ممتعة للتغطية اليومية المتجددة والتي لا تنقطع . في مساحة الحراك يمكن لكل عابر سبيل ان يدفع بالمتظاهرين الى الجهة التي يرغب بها . في احيان كثيرة نقلت تصريحات صاخبة لاشخاص مجهولي الهوية نداءات للمنادين بالإصلاح بأن الوزراء يهربون عبر المطار .. او انهم سيخرجون من هذه البوابة او تلك . فيتحرك ركب المهرولين الى تلك العناوين وينتشرون في مواقع عديدة . نائب محرض على التظاهرات يمسك مفاتيح القاعة البرمانية ويقفلها على النواب .. وبيده الاخرى يوجه اوامره الى الفوج المسؤول عن الحراس ان ينسحب فيتركوا المكان ليهجم عشرات من المتظاهرين على قاعة المجلس النيابي ويحطموا الأبواب ويفعلوا ما لا يمكن تصديقه . قائد شعبي آخر يهتف من على الفيسبوك : لنذهب الآن الى وزارة العدل .. او: جاء دور شبكة الإعلام ..
اما ما الذي يعود على الإصلاح بفائدة فلا وجود له .. ما هو الإصلاح المنشود ؟ ومن المستهدف بالتهجمات الشاملة ؟ فلا يعلم احد من المتظاهرين جواباً على ذلك .
اما كيف سيساعد هذا الهياج المروع والمثير لهلع المواطنين على القضاء على الفاسدين والمفسدين فلا احد يحر جواباً على ذلك .
ثمّة تناقض كبير بين الحاجات العملية وتلك الواقعية التي يمكن أن تتجسد وتنجز فوائد للعراقيين. فالواقع الباذخ السوريالية يتمدد على جسد الوطن المستباح أمنياً من قبل «داعش» وأخوات داعش المتناثرة بين الموصل والأنبار وعمان ودبي وغيرها، وهو يرسم المشهد وظلاله في آنٍ واحد. الخراب الأمني الذي يسعى العراقيون المتمسكون بوطنهم وبقايا الأمل يتغلب أحياناً على مقدرة الصد العراقي وتارة يتراجع تحت ضربات القوى الأمنية. البطولات الخارقة التي يسطّرها أبناء القوات المسلّحة والمتطوعون في ظل راية الحشد الشعبي ما تزال غالبة ومنتصرة حتى الآن. ويمكننا القول إن المستقبل لا يتيح لداعش أن تحلم بالبقاء على أرض الوطن.. ولكن بالترافق مع ذلك نعيش في ظلّ كابوسٍ آخر لا يقل خطورةً ومضاءً عن سابقه العسكري وهو كابوس التراجع الشامل في المقدرة المالية للبلد وغياب بدائل عن موارد النفط المتلاشية. ولا حلول كما يشير الجميع، فالعراق لا يمتلك اليوم في ظل انخفاض أسعار النفط المقدرة على التصنيع والتقدّم التكنولوجي وإيجاد مصادر عاجلة للدخل أي بصيص حقيقي للخروج منتصراً من الأزمة.
وتبدو مساهمة المجتمع متهالكة في دعم مشاريع الحكومة في الاستنجاد بالمواطن وإقناعه بتوجيه مدّخراته الهائلة نحو سندات الحكومة أو غيرها من أشكال إنجاد البلد. فمن المعلوم أن الرخاء الداخلي للعراقيين تضاعف أكثر من عشر مرات منذ سقوط الدكتاتورية، لكن هذا الرخاء والموارد التي يتحكّم فيها لا تجد طريقها إلى الخطط الطموحة للحكومة في مساهمة الشعب لتمويل عملية الخروج من الأزمة.
ومع أننا نشهد تحركاً أو تحريكاً للشارع من قبل أطرافٍ عديدةٍ ومن جهاتٍ عديدةٍ إلا أن بوسعنا القول إن الشارع العراقي يعيش يقظةًًً زائفةً.. برغم أن الكثير ممن بحّت أصواتهم بعد أسابيع متتالية من الصراخ المجاني والشعارات المحيّرة والمتعارضة وتلك التي بوسع أي شخص أن يرفعها من دون أن ينتظر منها ثماراً ما يزالون ماضين في اعتقادهم أنهم يسطّرون مبادرات تأريخية. فالحراك الشعبي في وادٍ والحلول المتداولة في وادٍ آخر. الشعارات الفضفاضة بالقضاء على الفساد من دون التطرّق إلى مسببات الفساد ومرجعياته الواقعية لا تفعل أكثر من حقن مورفين يحتاج إليه جسد المدمن. والدليل الساطع على ذلك ما ذكره السيد رئيس الوزراء عن مسؤولية الأحزاب الكبرى عن أخطر حلقات الفساد وهي اقتطاع حصص كبيرة من مبالغ كل العقود التي تبرمها الدولة مع الشركات لصالح ما وصفه بـ «اللجان الاقتصادية» للأحزاب الحاكمة. ومن المعروف على نطاق واسع أن الأحزاب تتقاضى سلفاً من كل متعاقد نسبة تتراوح بين 20 الى 30% من قيمة كل عقد تحوّله إلى أحزابها منذ سنوات المحاصصة المبكرة. كما أن تقارير عديدة ومفصلة نشرت على نطاقٍ واسعٍ عن تسعيرة المناصب الوزارية عند تشكيل الحكومات يجري تداولها من قبل المعنيين بالمناصب وتتراوح قيمتها مع طبيعة الوزارات والموارد الحاصلة عليها.
ان محاربة الفساد بالطريقة التي عناها هتاف المواطنين الضحايا لا تعني إلا إنهاء المحاصصة وتكريس رقابةً وطنية شاملة على الإنفاق والاستثمار يضيق على الفاسدين مواقعهم. لكننا نرى أن الكلام يتم عن الفاسدين، وهم موظفون مخلصون لكتلهم وبين المفسدين الأساسيين ألا وهي الكتل نفسها. فلا مجال أبداً لتحقيق نجاح في هذا المجال من دون أن يقطع دابر النمطين وفسخ خطوط التواصل بينهما، فالفاسد كائن صغير قد لا تصل إليه المنافع أما المفسد فهو كملكة النحل العملاقة التي تغزل وتغزل لذريتها المتحمسة مستقبلها.
وبعيداً عن هذا نرى أن المساعي للإصلاح التي يريدها الدكتور العبادي تصطدم بعقباتٍ كبيرةٍ ومعقدةٍ لأن الكتل السياسية التي تعلّمت أن التقاسم والمحاصصة طريقها للثراء وأنها بهذه العملية تضمن تمويل كتلها برلمانياً بعد بضعة سنوات حين تحين ساعة الانتخاب العام. لذا فلا نرى أمام الدكتور العبادي إلا أن يفكّر ببعض الحلول الوسط ليضعها أمام شركائه داخل وخارج الطائفة. ولا يظنن أحد أن الطوائف الأخرى بريئة فالوزراء الذين جربهم البلد كانوا من كل الألوان والقوميات، ويكفي أن نطرق باب عمّنا «غوغل» ليقول لنا الحقيقة. المعضلة لا تأتي من أن فريقاً واحداً في السلطة مسؤول عمّا حدث ويحدث وما سيحدث، بل أن الجميع، على اختلاف التزاماتهم ولكنتهم السياسية ولونهم الطائفي متشابهون في مجال الممارسة. كنت أشعر بسخرية صديق لي وهو يستذكر كيف أن وزيراً يسارياً في إحدى الحكومات لم يتردد في تعيين ثلاثة رفاق من حزبه وكلاء ومديرون عامون بضربة قلمٍ واحد.
هذا دليل على أن المعضلة تكمن في المنهج الذي تبنى المحاصصة والتقاسم بالدرجة الأولى. ومن هنا نقول إن الإصلاح في العراق مستحيل.. وعسير وكل الاحتجاجات لن تثني النشطاء في الحكم عن توجهاتهم. وللعبادي فرصة في النجاح بين هذه الكتل في حال أرضاهم بحلول جذابة لهم مع حقنة أقل من الإصلاحات من أجل وقف تدهور الحياة العامة وتقلص الموارد. فهل بوسعه مثلاً تكثيف عملية التصنيع لتعويض الموارد؟ أم أن بوسعه كسر سلسلة الاستيراد الخارجي بدعواه الطيبة لعدم إنفاق الموارد؟ أم بتقليص رواتب ومخصصات هنا أو هناك؟
نحن مع الإصلاح قلباً وقالباً ولكننا في النهاية نطلب من اللئام أرباب المحاصصة أن يمنحوا شعبنا بعض القوت…

*رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة