فوز ترامب برئاسة أميركا ليس مستبعداً!

محمد ياغي
ينشر بالاتفاق مع صحيفة الأيام الفلسطينية.
تراهنت مع ابني الصغير (13 عاماً) بأن الحزب الجمهوري لن يقبل بأن يمثله شخص مثل ترامب. حُجتي كانت أن الجمهوريين مثل الديمقراطيين ممثلون لمصالح شركات كبيرة تختفي خلف شعارات التسامح والحريات ولن يقبلوا بشخص يعده العالم فاشياً بعد تصريحاته بأنه سيمنع المسلمين من دخول أميركا وسيفرض على المكسيك بناء جدار بين الدولتين.
ابني ربح الرهان. كانت حجته بأن من انتخب بوش وهو من أكثر رؤساء العالم غباءً يمكنه أن ينتخب ترامب أيضاً.
قلت له: إن بوش فاز بقرار من المحكمة ولم يحصل على غالبية أصوات الأميركيين. قال لي: كان ذلك في العام 2000 وليس في 2004 عندما أعادوا انتخابه.
يقول أوباما: إنه يثق بأن الشعب الأميركي لن يُمكن ترامب من الفوز بالرئاسة. لكن هل هذا التقدير واقعي؟
ترامب لا يستقطب المؤيدين بفعل عنصريته ضد المسلمين ولا بسبب تصريحاته بأن المكسيكيين تجار مخدرات، مجرمون ومغتصبون، ولكن بسبب ربطه لثلاثث قضايا لها تأثير كبير على الناخب الأميركي:
البطالة المرتفعة في الولايات المتحدة يسوقها ترامب على أنها نتيجة للهجرة غير الشرعية للولايات المتحدة وهذه مصدرها أميركا اللاتينية. بناء الجدار مع المكسيك سيوقف الهجرة وبالتالي سيحل جزءاً مهماً من مشكلة البطالة.
الأجور المتدنية مصدرها هجرة الشركات الأميركية إلى الصين والهند وبلدان العالم الثالث عموماً في شرق آسيا وأميركا اللاتينية، وبالتالي إجبار هذه الشركات على العودة لأميركا سيوفر فرص عمل جديدة وسيرفع من سقف الأجور.
المسألة الثالثة التي تؤثر في توجهات الناخب الأميركي لها علاقة بالإرهاب، وهي قضية أصبحت على أجندة المواطن الأميركي منذ أحداث 11 سبتمبر وما تبعها من هجمات وحشية في أوروبا وأميركا، ويتم ربطها بالمسلمين من قبل ترامب. منع المسلمين من دخول أميركا هو أسهل حل للمشكلة!
جمهور ترامب على وفق مراكز أبحاث أميركية غالبيته من الأميركيين البيض، الريفيين، الذين لم يكملوا دراستهم الجامعية. هذا الجمهور الذي لا يعرف العالم، وربما قلة قليلة منه غادرت القارة الأميركية، والذي يستقي معلوماته من محطات مثل فوكس نيوز يمكن خداعه بتحميل المهاجرين والمسلمين وبلدان العالم الثالث مسؤولية مشكلاته المتعلقة بالبطالة والفقر وضعف الأجور، ويمكن اللعب أيضاً على مشاعره بتخويفه من المسلمين.
ميزة ترامب هي أنه وبعكس منافسيه الجمهوريين الذين خسروا أمامه، من خارج مؤسسة الحزب أو حتى الوسط السياسي، وهو لهذا كان قادراً على استقطاب ملايين الأميركيين البيض الذين لا يثقون بالمؤسسة السياسية والذين يبحثون عن تغيير، لكنهم لا يعرفون الطريق إليه بسبب افتقارهم للمعلومات وللمعرفة بنحو عام.
ترامب يبدو هنا مثل القائد السياسي الذي لا يمتلك المعرفة والثقافة ولكنه في الوقت نفسه القائد القادر على مخاطبة جمهور غاضب بتبسيط وتسطيح المشكلات التي يعاني منها بلغة يفهمها هذا الجمهور.
في مقابل جمهور ترامب، يوجد جمهور بيرني ساندرز، وغالبيته أيضاً من الأميركيين البيض، لكن من المتعلمين الجامعيين. هذا الجمهور أيضاً غاضب للأسباب نفسها، لكنه لا يرى مصدر مشكلاته في المهاجرين القادمين من أميركا اللاتينية أو المسلمين، ولكن من الشركات الأميركية الكبيرة التي تحتكر الاقتصاد وتمركز الثروة بأيديها، وتسيطر على الحكومة الأميركية وسياساتها من خلال جماعات ضغطها والأموال التي تصرفها على مرشحي الرئاسة.
ساندرز أيضاً تمكن من جلب الملايين للمشاركة في العملية السياسية من خارج سياق الحزب الديمقراطي. ناخبون جدد يؤيدون ساندرز كمرشح عن الحزب الديمقراطي ولا يؤيدون الحزب نفسه. لكن ساندرز فرصته ضعيفة في تأمين ترشحه عن الحزب الديمقراطي.
هيلاري كلينتون حتى اليوم لديها عدد أكبر من أصوات الهيئة الانتخابية الديمقراطية من ساندرز بسبب التأييد الذي تتلقاه في الانتخابات التمهيدية من الأميركيين الأفارقة واللاتينيين، لكنها عاجزة في الوقت نفسه عن استقطاب جمهور من خارج الحزب الديمقراطي.
فشل ساندرز هو ما يمكنه أن يعطي ترامب فرصة النجاح. ترامب سيحصل على أصوات الجمهوريين، وسيحصل على أصوات الملايين الذين تمكن من الحصول على دعمهم بسبب خطابه الشعبوي الذي يبسط العالم لهم بتحميل الآخرين مسؤولية مشاكلاتهم، وهو قد يحصل على جزء من أصوات جمهور ساندرز ليس بسبب القناعة بترامب، ولكن احتجاجاً على فوز هيلاري التي يعدونها مرشحه أغنياء أميركا.
إذا أضفنا لذلك أن قطاعاً كبيراً من الأميركيين ما يزال محافظاً، بمعنى يفضل زعامة رجل على زعامة امرأة، فإن فرص ترامب لا تبدو ضعيفة إذا ما واجه في الانتخابات هيلاري.
فرص ساندرز بالفوز بالرئاسة كانت ستكون أكبر لو أنه يمثل حركة مستقلة عن الحزب الديمقراطي. بمعنى لو تنافس مع ترامب وهيلاري على الرئاسة، لكن الحالة ليست كذلك فهو ينافس من داخل الحزب الديمقراطي، وإذا لم يفز بترشح حزبه فهو خارج المنافسة.
هيلاري تراهن على أن قطاعاً من مؤيدي الحزب الجمهوريين سيصوتون لها في الانتخابات بسبب رفضهم تمثيل ترامب لهم. لكن لا توجد مؤشرات جدية بخصوص انشقاقات في الحزب الجمهوري. جميع من وقف ضد ترامب من الجمهوريين في السابق، إما يتحدث اليوم عن أن ترامب قد أحدث تغييرا في خطابه السياسي ويمكن العمل معه، مثل بول راين، رئيس مجلس النواب، أو أن ترامب هو المرشح الجمهوري الأوفر حظاً بالفوز على هيلاري، مثل بن كارسون وكريس كريستي، وهما منافسان سابقان لترامب. أو بلا رأي مثل خصوم ترامب، تيد كروز وماركو روبينو، وميت رومني.
باختصار، إذا بقي الحزب الجمهوري موحداً، وإذا ما أصبحت هيلاري مرشحة الحزب الديمقراطي بنحو رسمي، فإن ترامب، على عنصريته، وفاشيته، وغبائه السياسي غير المسبوق، يمكن أن يصبح رئيس أهم دولة في العالم، والمسؤول رقم واحد عن أكبر ترسانة نووية!
للديمقراطية حسناتها العديدة، لكن قد يكون ترامب إذا ما فاز في انتخابات الرئاسة الأميركية، أحد أهم أوجه قصورها.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة