خوش سيادة

تطورات تراجيدية شهدها العالم بعد ما عرف بـ (غزوة منهاتن) أدت الى زوال نظامين همجيين، مقابل البرجين المنهارين. بعد ذلك وجدت بلاد العم سام نفسها وسط محيط ومناخات لا تتفق وما رسمته مراكز بحوثها في افغانستان والعراق. شهدت تضاريس الوطن القديم بعد اقتلاع احد ابشع انظمة العبودية والاستبداد؛ عنفوان وحماسة لمقاومة “الاحتلال” واسترداد السيادة المفقودة، بهتت أمامها سيرة ابطال هذا الكفاح الذي عرفته الامم من نسيج المهاتما وهوشي منه وغيرهما من أساطير المقاومة الوطنية. كرنفال الحفلات التنكرية هذا، سمح لفلول النظام المباد والمتجحفلين معهم من تلقف زمام أمور المدافعين عن “السيادة الوطنية” دقلة ادهشت جميع المهتمين بتجارب حركات التحرر العالمية، عندما تحول الجلادون السابقون الى مناضلين ومجاهدين من أجل حرية الاوطان..؟!
بهمة المتقافزين على طفح “المقاومة” والمتعاطفين مع غاياتها على الصوب الآخر، وعبقرية المفاوض العراقي؛ تم استرداد “السيادة” نهاية عام 2011 بعد انسحاب آخر القطعات الأجنبية من الاراضي العراقية. لكن ما الذي حصل بعد ان استلمت قوات الجيش العراقي والاجهزة الامنية مقاليد حماية أمن الوطن والناس من القوات المحتلة؟
واجهات “المقاومة الشريفة” لم تلق اسلحتها وحسب بل انخرطت باعمال أشد وحشية وشراسة واجراماً وأكثر صلافة مما كانت عليه ايام “الاحتلال” استناداً لعبارة دمارهم الشامل (ما بني على باطل فهو باطل) اي كل ما جاء بعد تبخر “فردوسهم المفقود” فهو باطل ويتطلب منهم استحضار كل ما بترسانة مورثاتنا من اساليب وممارسات ومآثر للاجرام والدونية والخسة تجاه سكان هذا الوطن المنكوب وحلمهم في العيش كباقي الامم التي أكرمتها الأقدار بشرعة الكرامة والحريات وحقوق الانسان. وفي العودة لذلك السؤال نقول؛ لن يتناطح كبشان حول افضلية اوضاع البلد زمن “الاحتلال” عما وصل اليه بعد استرداد السيادة المزعومة، حيث تم تقاسمه بين جيوش الهويات القاتلة على حساب مشروع الدولة الفتية التي استلمت السيادة، لتتركها نهبا للفصائل والمجاميع الاشد تحمساً لها، بعد ان انحدر مشروع الدولة ومؤسساتها العسكرية والمدنية الى حال لا تحسده عليه قبائل الأدغال. لم يكن غريباً مثل هذا الحصاد الذي جنته قوى ما قبل الدولة من مأثرة مقاومة المحتل واسترداد السيادة، وهي نتاج لحسابات استراتيجية دقيقة، ادركت استحالة وصولوها لغاياتها الشريرة، مع وجود “الاحتلال” وقدراته المجربة في محق اي تهديد جدي لوحدة العراق وأمن حدوده ومدنه. وها نحن نتفرج على الفصول الجديدة من النشاطات والحملات ضد آخر ما تبقى لنا من حطام السلطات الثلاث، حيث بلغ التشرذم داخل ما يعرف بـ (المكونات) وبين بعضها البعض الآخر، مستويات لم يعرفها تاريخ العراق الحديث في كل مراحله. وسط هذه الهزائم المتتالية، لا أثر لفرسان السيادة وحنكة المفاوض العراقي الذي أذهل دبلوماسيي العم سام، لم يصمد أمام غزوات قوى العدوان والتشرذم ورأس رمحها (داعش) غير الفرقة الذهبية ومنتسبيها من الذين تلقوا تدريباً وتأهيلاً راقياً على ايدي قوات “الاحتلال” والهبة الشعبية المتمثلة بالمتطوعين وروح الايثار المميزة لشريحة الكادحين المنحدرين منها. وكما قيل قديماً (الطريق الى جهنم مبلط بالنوايا الحسنة) كذلك هو الانحدار الى الهاوية وضياع الآمال، تمهد له احياناً شعارات جميلة وعاطفية مثل؛ المقاومة والسيادة والحرية، عندما يمتطيها الغمان ولصوص الاوطان..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة