الأخبار العاجلة

كنعان مكية ورواية «الفتنة»..!!

حسن خضر
تنشر بالاتفاق مع صحيفة الأيام الفلسطينية
رأيتُ صدّام حسين عن قرب، في بغداد، مرّة أولى وأخيرة، بعد عام على هزيمته في «أم المعارك». كان العراق جريحاً، ولكن الرجل الذي دخل القاعة، في ذلك اليوم البعيد، وفي مشيته عرج خفيف، تكلّم وتصرّف كمن تجسّد فيه التاريخ، ونطق بلسانه. في تلك اللحظة، لا أدري لماذا، ولا كيف، خرجت من تلافيف الدماغ كلمة (Grotesque)، صامتة وخرساء، لتضرب جدرانه كحيوان مذعور في قفص. وكان الخوف، في حينها، أن تفشل ملامح الوجه في تحييد ما يعتمل في الدماغ، أو أن تكون لدى أحد الجلاّدين القدرة على قراءة الأفكار. وفي كلتا الحالتين ما يودي بصاحبها إلى التهلكة.
استعيدُ تجربة شخصية على هامش صدور رواية «الفتنة» (منشورات الجمل 2016) للأكاديمي العراقي كنعان مكيّة، لأن فيها ما قد يُسهم في تحرير القراءة من النفوذ السلبي للتحيّزات السياسية، وربما ما يُسهم في الارتقاء، قليلاً، بفكرة السياسة نفسها. وهذا ما يجد مبرره في حقيقة أن الرواية «سياسية»، وأن من شأنها (كما يحدث، دائماً، في عالم عربي مأزوم) استنفار تحيّزات صبيانية، أيضاً، على حساب حقيقة أكبر:
عامل الخوف في حياة الفرد والجماعة، وما ينجم عن محاولة التعايش معه، والعيش في ظله، والتغاضي عنه، أو التمرّد عليه، والثأر من صانعيه، من فصام وتشوّهات، وآثار سلبية، وميول عدوانية، سياسية وثقافية وأخلاقية، فردية وجمعية، تصيب القامع والمقموع، الصانع والمصنوع، الواقع في قبضته، والمُستثمر فيه، والهارب منه، والثائر عليه.
اقترن اسم مكية، المقيم في بريطانيا، بكتابه «جمهورية الخوف» (1989)، المنشور في ذلك العام باسم مُستعار (سمير الخليل) حرصاً من المؤلف على عائلته في العراق، التي قد يفتك بها النظام الصدامي لأسباب أقل بكثير من ممارسة نقدية، وتمرينات فكرية وأكاديمية، كهذه.
ولعل أفضل تعليق على الكتاب المذكور ما جاء في نشرة «مشروع الشرق الأوسط للمعلومات والبحث»، التي رأت فيه إدانة لسياسات الشعبوية العربية، التي تتبنى، وتروّج، سياسة الكراهية، والكذب، والشطحات الخيالية، والقسوة، واليأس، إلى حد تنوب فيه الحنجرة عن عقل الشعب ووعيه، لتصبح الباعث الرئيس لقدرته على الفعل، ويصبح معها الأفراد كذّابين، وخاضعين، وأدوات للاستخدام تجردت من الكرامة الإنسانية.
وإذا كان ثمة ما يبرر اختزال مشروع مكية (مواليد العام 1949) الفكري، في نقطة واحدة فلنقل إنها تتمحور في محاولة تفكيك، وفهم، الآليات الخاصة بتجريد الفرد من الكرامة، ومسخ الجمع في قطيع، وتحويل هذا وذاك إلى رهينة في يد الطاغية، باسم التاريخ، أو المجد، أو الأمة، وكلها تعبيرات التبس فيها المعنى، وضاع الفرق، بين التاريخ، والمجد، والأمة من ناحية، وبين الطاغية من ناحية أخرى.
في ذلك اليوم البعيد، انتقد أحد الحاضرين «الأمة العربية»، التي خذلت العراق، فرد صدّام بنبرة تأنيب: لا «تشتموا الأمة، نحن من هذه الأمة». ومن غير الواضح، طبعاً، ما إذا كان في استعماله لضمير الجماعة إشارة إلى شخصه بالذات، أو إلى «أمة» يملك، وحده، وفي يده، مفاتيح ما استعصى على الفهم من معانيها.
ما هو الطاغية، وما هي ماهية الطغيان، وما الآثار المرئية، والمخفية، للطاغية والطغيان في حياة بني البشر، وعلى بنية المجتمع والدولة، في علاقة الأفراد بأنفسهم، وموقفهم من المجتمع والدولة، مع كل ما لأشياء كهذه من انعكاسات مباشرة على المعاني المحتملة للحب، والكراهية، والعائلة، والصداقة، والوفاء، والصدق، والوطن، والخيانة، والقيم، والأخلاق، مع العلم أن ثمة طاغية أكبر من هذا الذي يتكوّن من لحم ودم، هو التاريخ الخاص بهذه الجماعة أو تلك.
بعد «جمهورية الخوف» أعاد مكيّة، محاولة التفكيك، والفهم، في «النصب»، المنشور، أيضاً، بالاسم المُستعار نفسه، والذي أراد منه، مستفيداً من خبرته في فن العمارة، العثور في النصب الذي صنعه صدّام لنفسه تخليداً «لقادسيته»، على شواهد وعلامات بصرية تفسّر معنى الطغيان.
وتكررت المحاولة، بعد مغامرة الكويت الكارثية، في كتاب بعنوان «الصمت والقسوة: الحرب، والطغيان، والانتفاضة، والعالم العربي»، وثّق طريقة النظام الصدّامي الشمولي في التصفية الجماعية لمعارضيه. ومع الكتاب، وبه، نزع مكيّة قناع الاسم المستعار، ربما لأن عائلته أصبحت في مأمن، أو لأن نهاية الطاغية بدت وشيكة.
ومع ذلك، حتى نهاية الطاغية، التي تأخرت عقداً من الزمن، لم تُقنع مكيّة بالكف عن طرح الأسئلة، وتحليل الشواهد، والعلامات، عن معنى ومبنى الطغيان. فانخرط، بعد الاحتلال الأميركي، وسقوط النظام، في مشروع «الذاكرة العراقية»، الذي استهدف أرشفة، وتصنيف، وتوثيق، وتحليل، كل ما نتج عن العهد الصدامي من مواد كتابية، وبصرية، وسمعية، ومعمارية.
وقبل سقوط النظام بقليل، نشر رواية بعنوان «الصخرة»، في محاولة لفهم، وتحليل، معنى ومبنى التاريخ، باعتباره طاغية من نوع وعيار آخر، عالج فيها مرويات قصة مسجد قبّة الصخرة، في القدس، وعرّضته لانتقادات كثيرة. وعاد في «الفتنة» إلى السرد الروائي، في محاولة جديدة لفهم وتحليل، ظاهرة الاحتراب الأهلي الطائفي في العراق بين السنّة والشيعة، والإرهاب، وكيفية خذلان المعارضة العراقية للشعب بعد سقوط النظام الصدّامي، واعتذر في خاتمتها من العراقيين، لا على نقده للطاغية والطغيان، ولكن على انخراطه في صفوف معارضة خذلت شعبها.
ولعل في خاتمة كهذه ما يكفي لافتعال حرب وهمية على جبهة «الثقافة» تعيد إنتاج أكثر من حرب واقعية بين الطوائف على خطوط التماس. تجلت أشياء كهذه في مواقف من «الفتنة»، ولم نفرغ، بعد، من الكلام عن مكيّة ومشروعه، فإلى لقاء جديد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة