خزعل الماجدي يكتب أحزان سنته العراقية…

علي حسن الفواز
يضع الشاعرُ اللغةَ على الحافة، ليوهمها بالطيران، أو بالسقوط، وكلاهما لعبة فائقة الخطورة، في الاستعارة والانزياح، والدهشة والمفارقة، وحين يجد الشاعر نفسه عند الحافة، الحافة التي تشبه الفقد، عندئذ تتحول اللغة الى عواء، والى ارتكاس عميق، والى نوع من العري اللساني الباعث على استكناه الوجع، والوخز، والوقوف عند الفراغ، أو التفجّع بغريزة الاصطدام الصاخب بالاشياء..
لحظة ما كتب الشاعر خزعل الماجدي كتابه الشعري( أحزان السنة العراقية) الصادر عن دار الغاوون/ بيروت لم يجد أمامه سوى تلك الحافة، ليتلمس عبر شفراتها، وفراغها المريع، مايساكنه من ذعر ورعب وشغف وإحساس بالفقد، إذ تضيق الأمكنة، ويُمحى الزمن، وتستعيد اللغة بعض(حجاجها) الغائب، الحجاج مع الذات، الذات المطعونة، الفاقدة، المستلبة، فلا شيء هنا سوى أن يستعيد الشاعر (بطله) المثكول بالنواح السومري، نواح العشتاريات في أسطورته العراقية، يتأمل من خلالها العالم الذي خذله، وتركه نهباً لسيرة لا يعرف كيف يُدوّنها، ويجهل التواطؤ معها..
كتاب أحزان السنة العراقية نصٌ في الفجيعة، ورؤيا لما يمكن أن تحمله من كشوفات لاتحيل إلاّ الى زمن له مزاج الجحيم الشخصي المسكون بالخسارات، والجحيم الوطني المسكون بالشياطين والزنادقة والقتلة، أولئك الطاردون لفكرة الخلق السومرية.
(الخارجون من المستنقعات
والمزدحمون في مرآة سوداء/ والذين ينبحون بلغة لا نفهمها
/ ويحملون في أحزمتهم رؤوسَ أطفالنا/ دمّروا بلادنا ووسخوا أنهارها.
أجواء الكتاب الشعري تشيءُ بكل تلك المفارقات، حيث أحلام الشاعر وحروبه الشخصية الدامية، وحديث أساطيره المحلية المشغولة بالشفيع، وحيث صوته الداخلي العميق الغاطس في استعارات الاستدعاء، وسيماء التطهير، إذ يبدو كل شيء غير ناجز، والماجدي لايملك إلا لغته الصائته والباذخة والعارية، والتي تتبدى وكأنها لعبة في البحث، ولعبة في استكناه الشغف المعادل وجوده، ولزمنه العراقي الواقف عند عتبات القتلة.
(مروان لونُ الضحك/ وقافلة الضوء/ مروان عشّ الندى/ ومروان هذا النسيم الذي خطفوه/ إذاً أين أنت؟/ وكيف ينام الفراتان دونك؟)
ثنائية التقابل بين اللغة والزمن تتحول الى ثنائيات الخلق والموت، إذ تتفجر من خلالها مرجعيات الشاعر الطقوسية، والتعبيرية، والصوفية. في نصوص الكتاب الشعري الضخم- أكثر من 800 صفحة- تبدو هذه التفجّرات، وكأنها تكريس لتلك الثنائية، على مستوى الإنشغال بهاجس الحضور والغياب، النور والظلمة، فالسنة العراقية تتلبّس قناع الأسطورة، تلك التي يخفُّ بها الزمن، ليكون زمنا عائما، زمنا سيزيفيا للعذاب، ولتدوين هذا العذاب، إذ يقابل كل يوم في الكتاب من سنته العراقية قصيدةً ما بوصفه مدونته، وكل شهر من تلك السنة نصاً نثريا بوصفها شهادته، وكذلك على مستوى التوليف، حيث تندمج الفكرة الاسطورية عن النواح في الموروث الديموزي/ العشتاري مع فداحة الواقع المرعب ونواح الامهات، وبما يسبغ عليه توصيفا تتعدد علاماته وأقنعته..
تنوحُ النساء في العراق
مثلما تنوح الأشجار والأنهار
لكن نواح النساء يأكلُ لحمنا
ويحفر عظامنا
ويحولنا إلى مزابل..
قصائد السنة العراقية ليست قصائد ذكريات، ولاقصائد سيرة، بل هي قصائد للرؤيا، تلك التي تتجلى، تهجسُ، تكشف عن الوجع، وتُعطي للشاعر شهوة العين الحادسة، العين الشغوفة بالسرائر، الخبيئة منها تحت دثار الفقد، والموحية منها برغبة التأمل والمراقبة، والتي يتبدى من خلالها المأزق الوجودي للشاعر، ليس بوصفه الضحية أو البطل، بل بوصفه الشاهد والفقيد، والعالق عند فداحة مايمكن أن تبوح به اللغة بوصفها مقابلا تعويضيا لفخاخ الواقع.. وبقدر ماتبدو قصائد الكتاب أقل غنائية، وأكثر نزوعا للتأمل، وبعيدة عن المباشرة، فإنها في الجوهر تتكشف عن هاجس بلاغتها التعبيري، المنفتح على تقانة تعبيرية باهرة، وعلى وقائع وعلامات لها الكثير من التناصات مع التاريخ والأساطير، والتي لا يبدو فيها الشاعر إيمائيا، بل واضحا وصارما وناعيا، وكأنه يقول أن القصيدة هي لوح فجيعتي وفقدي، وأن السنة العراقية هي زمنٌ يخصني، لذا فإن تصفية حسابي معها هي تدوين مرائرها، لحظاتها، مواقيتها، أيامها، أشهرها..
هكذا !
هكذا إذن !
نتساقط مثل الشخوص الخشبية في ساحة الرمي
لم يكن من اللائق يا عراق أن تفعل بنا هذا
لم يكن من اللائق أن تبتلعنا واحداً واحداً
غولةٌ لعينة ما زالت فيكَ
غولة سوداء مدرعة بالظلام
أنجبت ملايين الأفاعي والعقارب والجرذان
خرجوا من جسدها
ونهشوا أجسادنا وامتصوا دماءَنا
من ترى هيّج طبقات الجحيم فيكَ يا عراق
فانفجرت الحمم كما لو أنّ كلّ براكين الأرض فيك؟
العتبة العنوانية للكتاب الشعري بإيحائها الزمني تُفضي الى ما يمكن أن يترسمه الشاعر من عوالم متداخلة، إذ يغور بعيدا في تاريخ مدنه- ميسان، ألتون كوبري، سامرا، بغداد- مثلما يتقصى تاريخ ماتساقط عليها من أحزان، تحضر فيها شفرات الأم والعباءة السوداء، والمقبرة، والغراب والحوت، الخيول السود، مطر أحمر ، بوصفها طبيعة مخذولة، والتي يستعيد الشاعر من خلالها تاريخ خساراته الشخصية، فهو يضعها أمام ريبة وشكوك، مثلما يحيلها الى حشود من الذكريات التي تستفزه وتوقظ فجيعته، وتدفعه الى أقصى ما تمور به اللغة، تلك القوة الساحرة التي تجرّه عبر استعاراتها ومجازتها وشفراتها وصدماتها الى مايمكن أن يخفف من صدمة الواقع، لذا نجد الماجدي أكثر عناية بجملته الشعرية، فهو يتمثلها تركيبا تصويريا، إذ لاتقلل بعض المباشرة فيها من توهجه التعبيري، كما لا تضعه نثريته العالية أمام سطوح مائعة، ربما تكون قصائد الكتاب الأقرب الى مايشبه(النص المفتوح) الذي يعي الشاعر اشتغالاته، ويلامس من خلاله عوالم تعبيرية وجمالية من الصعب انجرارها الآمن للقصيدة، حيث هو( نظام شعري مفتوح له بداية وتفاصيل ولاتحدّه نهاية بل يكون تائهاً وقابلاً لنهايات كثيرة. وبذلك يصبح أميبياً وغير محدد) كما يقول الماجدي نفسه في بيانه الشعري.
ليت الدخان يتبدد
ليت الهلال يخرج من فم الأفعى
ليت الليل ينام، بهدوءٍ، معنا في الأسرّة
وضعتُ في كوبي قطع البلاد المكسورة
وتركته على الرفّ
لم يكن معي أسلاكٌ لأربط بها قطع الجرّةِ المحطمة
يا إلهي.. أنت خلقت البلاد من فخار
وأنت كسرتها
هل يجب أن نمضي هكذا إلى الأبد؟
نحتاجُ إلى عكازات لأبنائنا المعوقين
نحتاجُ إلى ضمادات وأدوية
نحتاجُ إلى خبز وخضار ونفط أبيض
ونحتاج إلى ملابس جديدة للأعياد
يا إلهي.. هل تتركنا في هذا التيه
أنتَ خلقت البلاد من فخار
وأنتَ كسرتها
معنا خيولٌ كسيرة واسطبلات مهجورة
ومعنا سوف مكسّرة وآليات معطوبة
ومعنا لصوص يسرقون الهواء
ولكننا شعبٌ طيب
لماذا لا تنـزع الأشواك منه؟
لماذا لا تصرع الجبابرة؟
لماذا؟
_______________________________
سيرة خزعل الماجدي
———
هو باحث في علم وتاريخ الأديان والحضارات القديمة وشاعر وكاتب مسرحي عراقيّ ولد في كركوك 1951, أكمل دراسته في بغداد وحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ القديم من معهد التاريخ العربي للدراسات العليا في بغداد عام 1996. عمل في وزارة الثقافة العراقية/دائرة السينما والمسرح لغاية 1998، وعمل ما بين عامي 1973-1996 في الاذاعة والتلفزيون والمجلات والصحف العراقية واتحاد الأدباء والكتاب ودائرة السينما والمسرح. ثم أستاذاً جامعياً في جامعة درنة في ليبيا للفترة من 1998-2003 مدرسـاً للتاريـخ القديم وتاريخ الفن. وما بين عامي 1996-1998 عمل في الأردن ونشر كتبه الفكرية الأولى.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة