أحاديث الثلاثاء

سلسلة من المقالات نشرها الكاتب عطا عبد الوهاب في كتاب تحت عنوان “أحاديث الثلاثاء”، وكانت هذه المقالات ثمرة أطروحات لكتاب ومثقفين عراقيين كانوا قد شاركوا في ندوات أقامها المؤلف في داره في عمان منذ أوائل نيسان عام 2009، ونظراً لأهمية الطروحات ارتأينا أن ننشرها في “الصباح الجديد” في سلسلة حلقات بعد الاتفاق مع المؤلف.
القسم الثالث
1 – التأثير على المستوى المعاشي للمواطنين
لا يمكن إغفال الانتعاش الذي حصل في الموضوع المعاشي لفئة الموظفين والمتقاعدين؛ ومن يحصلون على الإعلانات من الدولة، الذين قارب عددهم الستة ملايين شخص حالياً، بسبب الزيادات المتعاقبة التي حصلت على مدخلاتهم الفترة منذ عام 2003، وبطبيعة الحال فإن هذا الانتعاش قد شمل عائلات هذه الفئة، ومن يتحملون المسؤولية عن إعاشتهم، بخاصة عند مقارنة ذلك مع ما كانت عليه الحال قبل عام 2003 كما ذكرنا سابقاً.
إضافة الى ذلك فإن انتعاش القوة الشرائية لهذه الفئة الواسعة من المواطنين، وما رافق ذلك من توسع إنفاق الدولة على نشاطاتها ومشاريعها المختلفة، قد فتح الابواب على تحسن المستوى المعاشي لفئة غير قابلة من المواطنين، الذين يعملون في حقول التجارة والمقاولات والخدمات المختلفة. لكن الملفت للنظر هو التباين الواسع في مستويات الدخول بين الموظفين من أصحاب الدرجات العليا والدرجات الخاصة، وغيرهم من العاملين في قطاع المقاولات والاعمال التجارية، والذين حصلوا على المبالغ الطائلة من جراء الفساد المالي والاداري، ولهم دور في حصول هذا التباين الشديد. وقد اقترن هذا التباين في مستويات المعيشة بانتشار الفقر بين فئات اجتماعية تجاوز عددها ربع السكان العراقيين.
وقد اظهرت وثيقة استراتيجية التخفيف من الفقر التي اصدرها الجهاز المركزي العراقي الأغنى من العراقيين يحصل على 43% من الدخول، في حين لا يحصل الخمس الافقر منهم الأعلى 7% من الدخول.
كما إشارات هذه الوثيقة إلى أن نحو 6.9 مليون عراقي اغلبهم من سكان الريف ما يزالون يعيشون تحت خط الفقر، الذي يقدر الدخل الشهرية بـ 77 ألف دينار عراقي.
الفقر الشديد بين فئة واسعة من السكان، تقتضي بطبيعة الحال اتخاذ الإجراءات التي تكفل الحد من انتشارها ومعالجة آثارها الخطيرة.
خامساً: مقترحات للمعالجة والتطوير
بالاستناد الى ما ورد في دراستنا هذه، نستطيع الجزم بأن الاجراءات السياسة الاقتصادية، ما اعتمدته من أسلوب للإيراد والإنفاق في الموازنات المالية المتعددة، منذ عام 2003، لم تفلح في تحقيق التطور والنمو المنشود في حقل الاقتصاد الوطني، بل إن الذي حصل هو الاخفاق في تنمية القطاعات الزراعية والصناعات والخدمية ومعالجة مشكلاتها، والجدير بالذكر هو أن الذي تميزت به السياسة الاقتصادية، خلال هذه الفترة، هو التبذير في نسبة عالية من عوائد الدولة المالية، على جوانب استهلاكية غير ضرورية، واكبها الفساد المالي والاداري، ولم تحظ الحقول الانتاجية والخدمية والضرورية بما تستحقه من اهتمام، ورعاية تتناسب من أهميتها ودورها في النهوض الاقتصادي والاجتماعي، وفيما يلي طرح بعض المقترحات التي تستهدف معالجة مشكلات الاقتصاد الوطني والنهوض بمرافقه.
1 – اجراء الاصلاح في اسلوب ادارة المؤسسات الاقتصادية
لقد كان لاعتماد اسلوب المحاصصة في اختيار العاصر المسؤولة عن إدارة أجهزة الدولة، ودور في تبوؤ نسبة عالية من العناصر غير الكفوءة وغير النزيهة إدارة المؤسسات الاقتصادية، ذلك لأن أسلوب الاختيار هنا كان ينطلق، في الغالب، من المعايير السياسية ومصالح الأحزاب السياسية المتنافسة على السلطة؛ وما تتأثر به من جوانب المحسوبية والمنسوبية، من دون الانطلاق من عنصر الكفاءة والخبرة والنزاهة ومصلحة الاقتصاد الوطني، وقد كان لذلك بالتأكيد دور في تعثر النشاطات الاقتصادية في الكثير من مؤسسات الدولة، وانتشار الفساد المالي والاداري فيها، وغياب الرؤية العلمية في رسم السياسة الاقتصادية السليمة. ومن هنا فإن وضع الاسس سياسة اقتصادية سليمة وحازمة وطموحة، تتضمن معالجة مشكلات الاقتصاد الوطني، وتحقيق النمو والتطور الاقتصادي المنشود ، تقتضي تحقيق الاصلاح في مؤسسات الدولة، عن طريق اختبار العناصر الكفؤة والنزيهة لإدارتها، وتطهير تلك المؤسسات من العناصر المتورطة بأعمال الفساد الاداري والمالي.
2 – اعتماد اسلوب جديد في التخطيط الاقتصادي
لا يمكن إجراء التحولات في الهيكل الاقتصادي العراقي والنهوض بالقطاعات الزراعية والصناعية والخدمية، بالاعتماد على أسلوب التخطيط الحالي، الذي ينحصر نشاطه في وضع البيانات والارقام والمؤشرات الاسترشادية، والتشاور مع الوزارات المختلفة حول تنفيذ خططها، وما تتضمنه من نفقات استثمارية، ومن هنا ينبغي اعتماد أسلوب آخر للتخطيط ينطلق من تحديد مؤشرات متوسطة المدى وبعيدة المدى، للأنفاق الاستثماري خلال فترة الخطة، على أن تحتوي هذه الخطة على قائمة بالمشاريع التي تنوي هذه الخطة إنشائها، والتي ينبغي أن تتضمن تعمير وإصلاح المؤسسات الإنتاجية القائمة، وإنشائها مشاريع جديدة، وتحديد فترة إنجازها، وتكاليفها، والجهات المسؤولة عنها. وهو ما يقتضي إقامة مجلس أعلى للتخطيط الاقتصادي، يأخذ على عاتقه الإشراف على نشاطات وزارة التخطيط، والتنسيق مع بقية الوزارات والهيئات الحكومية العليا من أجل ضمان إنجاز مشاريع الخطة.
1 – وضع استراتيجية طويلة الأمد للتنمية الاقتصادية
وفي سبيل أن يؤدي نهج التخطيط دوره في تحقيق النهوض الاقتصادي والاجتماعي، ينبغي أن تعتمد الخطة استراتيجية طويلة الأمد، تتوخى تحقيق النمو السريع والتحولات في القطاعات الإنتاجية والخدمية، فيما يتعلق بالقطاع الزراعي، ينبغي العمل على معالجة مشكلات الري والبزل والتملح وخزن المياه وإقامة المشاريع الزراعية النموذجية، وغيرها من المشاريع الزراعية الضرورية ، وفيما يتعلق بقطاع الصناعة التحويلية ينبغي التوسع في إقامة مشاريع تصفية النفط والإنتاج البتروكيماوي، وغيرها من الصناعات الثقيلة والخفيفة، التي تضمن تغطية حاجة السوق المحلية، وتكوين فائض للتصدير وكذلك الحال في إقامة المشاريع الضرورية؛ لتطوير الخدمات في حقل الكهرباء والماء والصحة والتعليم والنقل.
2 – إنشاء صندوق الاحتياطي النفطي للأجيال المقبلة.
لا شك في أن الثروات الاقتصادية في البلد، ليست مملوكة للجيل الحالي لوحدة، وإنما تشترك في ملكيتها الاجيال المقبلة، وطالما أن النفط المخزون في باطن الارض هو ثروة ناضبة، فينبغي أن تضمن فيه حصة للأجيال المقبلة.
لذا ينبغي إنشاء صندوق مالي بهذا الاسم يوضع فيه جزء من موارد النفط ، كاحتياطي للأجيال المقبلة، وهو ما تأخذ به العديد من الدول المنتجة للنفط، وهذا يقتضي ترشيد الانفاق في المواد النفطية على الوجه الذي يضمن توفير المواد النفطية الضرورية للإنتاج والاستهلاك، وتجنب الهدر والتبذير فيها، على أن تحقيق هذا المشروع يقتضي وضع سقف لما ينبغي إنفاقه سنوياً من موارد النفط لأمد طويل، بناء على ما يجري توقعه من كمية الإنتاج ومستويات الاسعار الدولية.
ثم تقوم السلطة المالية بوضع المبالغ التي تتجاوز السقف المحدد للإنفاق في صندوق ينشأ لهذا الصندوق الاحتياطي النفطي للأجيال المقبلة، وإن يحتفظ بهذا الصندوق في البنك المركزي العراقي أو وزارة المالية.
ومن الممكن دراسة إمكانية اعتبار الأرصدة التي يحتفظ بها البنك المركزي العراقي حالياً؛ كاحتياطي لضمان المتداول من العملة الوطنية التي بلغت الآن قرابة الستين مليار دولار، جزاءً من هذا الصندوق، وان لا يجري استخدامه إلا في حالات الضرورة القصوى.
3 – التوجه نحو أنموذج جديد لاقتصاد السوق
طبق بعد تغيير النظام عام 2003 نظام اقتصاد السوق، على وفق الانموذج الذي تطبقه الدول المتطورة، الذي اقتضى انسحاب الدولة عن حماية الاقتصاد الوطني وتنظيم شؤونه، وإلغاء جميع إجراءات الرسوم الكمركية والحصص والمنع والاجازات، وتخفيض مستوى المبالغ المخصصة لدعم المؤسسات الانتاجية، وقد ترتب على ذلك منافسة السلع المستوردة من الخارج للسلع الزراعية والصناعية المنتجة محلياً، وهو ما تسبب في توقف الكثير من تلك المؤسسات الوطنية عن الانتاج، وتعرض القسم الاخر الى المنافسة الشديدة من قبل السلع المستوردة داخل الاسواق العراقية ومن هنا تبدو ضرورة تطبيق انموذج جديد لاقتصاد السوق يتلاءم مع ظروف الاقتصاد العراقي، الذي يجمع بين تدخل الدولة لتنظيم الاقتصاد الوطني وتحفيزه على النمو، وتطبيق إجراءات الحماية الاقتصادية، والعمل على تشجيع القطاع الخاص والاستثمار الاجنبي في الوقت ذاته.
4 – معالجة مشكلات الفساد الاداري والمالي
تعرض الاقتصاد العراقي إلى موجة متفاقمة من الفساد المالي والاداري منذ سنين عديدة، كما تشير الى ذلك وسائل الاعلام دائماً. وقد تمخضت تلك الظاهرة عن نهب مواد الدولة المالية بمبالغ طائلة، وعطيل تنفيذ الكثير من المشاريع الاقتصادية، وتشويه أسلوب إنجاز البعض منها، عن طريق الاحتيال على تنفيذ القوانين، والسرقة والرشوة الى المسؤولين الحكوميين، ولغرض القيام بالإصلاح الاقتصادي، ينبغي محاسبة القائمين بأعمال الفساد بحزم وقوة، وتقديمهم الى القضاء بغض النظر عن مواقعهم في السلطة وعلاقاتهم بالأحزاب السياسية.
5 – الاهتمام بمعالجة المشكلات الاجتماعية
طالما أن الإنسان العراقي هو محور النشاط الاقتصادي وأداة تنفيذه والاستفادة منه، لهذا ينبغي الاهتمام بتربية هذا الانسان على الوجه الذي يستهدف زيادة فعالياته في عملية التطور الاقتصادي، سواء عن طريق تطوير المؤسسات التعليمية، وإصلاحها، وتزويدها بما تحتاجه من مقومات، أو عن طريق إجراء التحديث والتطوير في مناهج التعليم، على الوجه الذي يتضمن غرس ظاهرة حب العمل وإطاعة القوانين والأنظمة في نفوس المتعلمين، وزيادة مهارتهم وكفاءتهم في ممارسة وإدارة النشاط الاقتصادي.
إلى جانب ذلك ينبغي إيجاد الحلول الجذرية لمشكلة البطالة، عن طريق إنشاء المشاريع الانتاجية التي تعنى بتشغيل المواطنين، وكذلك تشجيع القطاع الخاص والاستثمار الاجنبي على توفير فرص التشغيل.
ولغرض اعداد جيل يساهم بفاعلية في تطوير الاقتصاد الوطني، ينبغي العناية بالشباب والنساء، ومعالجة مشكلاتهم عن طريق توفير المقومات والنشاطات التي تساهم في زيادة مشاركتهم وفعالياتهم في النشاطات التي تساهم في زيادة مشاركتهم وفعالياتهم في النشاطات الاجتماعية والاقتصادية، وتوفير فرص العمل الملائم لهم، وكذلك رعاية المؤسسات التي تعنى بتوسيع دورهم في صنع المستقبل، إضافة الى ضرورة احترام مبادئ حقوق الانسان، وإتاحة المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني وضمان مشاركاتهم الفعالة في بناء الدولة على الأسس الديمقراطية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة