نفق الخروقات

سيول من الخطط الأمنية المدججة بالصبات الكونكريتية والاسلاك الشائكة، مع آخر انواع الابتكارات في مجال التسميات والسيطرات بجهاز كشفها العتيد، وواجهات الأجهزة الامنية والعسكرية، انبرت للتصدي لما يطلق عليه بـ (الخرق الأمني). لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد 13 عاماً من المواجهة مع دغل الخروقات؛ هل هي خروقات أمنية حقاً أم ان الخرق الحقيقي يتمترس في مكان آخر؟
من دون التعرف على ما جرى فعلاً بعد “التغيير” ربيع العام 2003 ، وخاصة في الميدان الاهم للدولة (الامن والدفاع) من تحولات، لا يمكن تلمس السبل الناجعة لفهم الاسباب التي تقف خلف هشاشة الامن المزمنة ، وكل هذا الاستهتار بحياة سكان هذا الوطن المنكوب بموروثات الكراهة والأحقاد. لقد تلقف مقاليد أمور ما تبقى من اسلاب الدولة؛ نوع من الزعامات والتيارات والكتل، لا يجمعهم غير قيم ومعايير ما يمكن أن نطلق عليه بـ (المحاصصة الرثة). وهي من أسوأ انواع المحاصصات التي عرفتها تجارب المجتمعات والدول؛ حيث الشراهة المنفلتة لقضم التضاريس الجغرافية والممتلكات العامة والموازنات السنوية. لا رؤية ولا مشروع لاعادة بناء مؤسسات الدولة، مثل هذه التوجهات سمحت للتقاليد التي رسخها النظام المباد من التسلل ثانية وبقوة، للمؤسسات “الجديدة” وخاصة الجيش والاجهزة الامنية، رافقها عودة أشد عنفوانأ على جبهة الجيوش والفيالق غير الرسمية (المليشيات) المستندة لتجارب وخبرات العاملين في صفوف الجيش الشعبي المقبور وغيره من فضلات جمهورية الخوف. مع مثل هذه الثقافة والتقاليد لا يمكن انتظار اي تقدم حقيقي في مواجهة اخطبوط الخروقات الذي يزداد استهتارا ووحشية يوما بعد آخر.
جميع الكتل المتنفذة اشهرت افلاسها العملي والنظري في مواجهة مثل هذه التحديات ، بعد ان اعادت بطريقة فجة؛ تدوير فضلات النظام المباد، لذلك يصعب العثور من بين كل هذه الارتال المسلحة، الرسمية منها أو الشعبية، من يهتم لامر التجربة السياسية الجديدة ومستقبلها. هذا البؤس السياسي يستمد ديمومته من بنية تحتية هجرت سبل تراكم الثروة وقوانينها التي اهدت الامم الحرة ما تتميز به من رخاء وأمن واستقرار. هذا هو الواقع الذي لا يطيق مواجهته قوارض العهد (الجديد-القديم) من الذين اتخمونا بعطاباتهم ورقعاتهم البائسة لمعالجة طاعون الخروقات الامنية. لا شيء غير تغيير الجنرالات واعادة تبادل المواقع بينهم، واطلاق سيل من الوعود ومشاريع الخطط الامنية المستندة لنفس الحطام من الملاكات والعقائد النافقة. البعض ما زال مسكوناً بخراعة “الرجل القوي” لوقف نزيف طيحان حظنا العضال هذا، من دون الالتفات الى انتهاء صلاحية مثل هذه البدائل التي جعلت من حياة سكان هذا البلد مستقراً لأبشع الكوابيس، ما يحدث على سطح هذه التضاريس المنكوبة، من حروب ونزاعات واجرام وانتهاك لكل نواميس الحياة والعيش المشترك، كباقي المجتمعات والامم، يستمد ديمومته من الاحتياطات الهائلة من العقائد والروايات والسرديات شديدة الانفجار التي تقف خلف هذا الطور المتوحش من العدوان على من حاولت السماء تكريمه ذات عصر. المواجهة الحقيقية لهذه التحديات المصيرية، لم تبدأ بعد رغم أنف كل هذا الصخب والضجيج المتصاعد، من الكتل والزعامات المتورطة، بعد كل مجزرة ترتكب ضد الابرياء من المدنيين العزل ، والتي لن تكف عن هوايتها المحببة بالقاء اللوم على بعضها البعض في حصول تلك “الخروقات”، المواجهة ستبدأ عندما يظهر من بين هذا الكم الهائل من الجنرالات والملاكات الادارية والتنظيمية؛ من يؤمن حقاً بالنظام الديمقراطي وثقافته ومدوناته المجربة، عندها سنطمئن على مصير التجربة والوطن والناس، وهذا ما لم يحصل بعد..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة