بعد 52 عاما، أوباما للكوبيين: جئت لأدفن بقايا الحرب الباردة ! «انطباعات بصرية مذهلة تتماهى مع لوحة «لاجورنيكا» لبيكاسو»!

الفيلم السوفيتي الكوبي: «أنا كوبا»(1964)*:
مهند النابلسي
يبدأ هذا الفيلم المدهش بمشاهد باذخة لهافانا ماقبل كاسترو، حيث تحوم كاميرا ذكية ما بين السابحات الفاتنات على السطح ثم نزولا عموديا لسطح آخر مرافق لبركة السباحة، ثم تتجول في بار وتتابع نادلة توزع المشروبات على السياح، وتسير معها لبركة السباحة ختى تغطس بنا لداخل المياه…هكذا يستهل هذا الشريط ويغوص بكل هذه المشاهد بلقطة واحدة متلاحقة في اسلوب تصوير ثوري «غير مسبوق»…صنف معظم النقاد الغربيين هذا الفيلم على انه فيلم دعائي ضد أمريكا، فيلم يمجد الثورة الكوبية الناشئة التي قادها فيدل كاسترو بعنفوان ثوري ريادي، أخرج هذا الشريط المخرج السوفيتي «ميخائيل كالاتوزوف» بالعام 1964، وقد فاز نفس المخرج بالسعفة الذهبية في مهرجان كان عن فيلمه الرائع «الرافعات الطائرة» للعام 1957.
يقال أن المخرج السوفيتي الشهير قد اخرج هذا الفيلم متاثرا بتحفة الايطالي «فيلليني» «الحياة الحلوة»(1960)، وقد تمكن من المحافظة على أحسن تقاليد الواقعية الاشتراكية، مسلطا الأضواء على مساوىء الامبريالية الأمريكية، ومتطرقا لثيمات معبرة ذات دلالة مثل المقاومة المتمثلة بمزارعي القصب الشجعان وطلاب الجامعات الجامحين، منهيا بمشاهد معبرة لأبطال الثورة الكوبية المقاتلين الأشداء في التلال والمرتفعات والمحاطين بالمزارعين الكادحين.
تبدأ مشاهد الاستهلال بالنادي الليلي، ومرأى اليانكي المتبجحين بصحبة العاهرات الكوبيات، حيث يصر أحدهم على غير المعتاد على مرافقة صديقته لمكان عيشها بضواحي هافانا البائسة، ثم يشتري منها قلادة الصليب، لتفاجىء أخيرا بقدوم خطيبها «البرىء-الساذج» بائع الفواكه المتجول، الذي كان يعتقد انها ما زالت عذراء…ثم نرى البحارة الأمريكان السكارى يتجولون وهم سكارى ويغنون بحثا عن النساء بشوارع هافانا، وننتقل لنشاهد مزارع عجوز كادح بائس وهو يحرق مزرعته اليتيمة بدلا من تسليمها طواعية «لشركة الفواكه المتحدة»، وتقودنا الكاميرا الساحرة لمشاهد المقاومة الباسلة في شوارع هافانا، ومقاومة الطلبة وطريقة توزيعهم للمنشورات الثورية، ثم نرى أحدهم يسقط متضرجا بدمائه بعد ان يقدم قائد الشرطة البدين «الكريه» على استهدافه بدم بارد مستمتعا بقنصه، فيما نرى نفس الشاب المقاوم يتردد في قنص نفس هذا الضابط عندما تتاح له الفرصة، متاثرا بحالته كأب يحتضن طفليه ويتناول الفطور على شرفة منزله بصحبة عائلته!
يبدو هذا الشريط المبهر كخلطة كوكتيل غريبة مكونة من « السياسة والدعاية والشعر» ضمن مشاهد آخاذة يبدو بعضها كهذيان، وكأن المخرج «ميخائيل كالاتوزوف» يتلاعب بالكاميرا ويقدم ملحمة مبهجة وفاتنة وحزينة بالأسود والأبيض كتحية سينمائية للثورة الكوبية، وربما كاد ان ينجر لتقديم «تنويم بصري-مغناطيسي» لطريقة تلاعبه مع المصور السينمائي الفذ للمشاهدالطبيعية الجمالية وللظلال والضؤ، وقد نجح بتقديم تحفة سينمائية لافتة…صنف بعض النقاد هذا الفيلم على أنه «مذهل سينمائيا وساذج سياسيا»، ولكني بالحق رأيت فيه بعدا ثوريا نادرا للفن السينمائي الحقيقي، وربما خلط المخرج بقصد مكونات « الجدية السلافية مع الشهوانية اللاتينية»، ولكنه نجح بالتأكيد بتقديم صورة واقعية فريدة لبؤس وتناقضات «هافانا الدكتاتور
باتيستا» الطاغية المكروه، مراوحا ما بين مشاهد الرقص المحموم والانحطاط الجنسي السافر وصور الفقر المدقع والبؤس المحلي ومشاهد القمع القاسية، ونجح باستعراض كل هذه الثيمات في اربع قصص معبرة انسيابية متصاعدة، تلخص وقائع وأسباب الثورة الكوبية الجامحة، وتمكنت الكاميرا البهلوانية في أخذنا كمشاهدين «مأخوذين» لرحلة قطار ملاهي تصيبنا بالدوار الممتع، حافلة بالجماليات المائية ثم تنتقل للمزارع الجميلة لكي تحدثنا عن بؤس الفلاحين المعدمين، وممارسات الشرطة الفاشية القاسية ، وصولا لمقاومة الطلاب المثقفين المعارضين وانتهاء ببسالة الثوار المقاومين.

* عرضته لجنة السينما بمؤسسة شومان بتاريخ 23/02/2016

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة