ملاحظات حول بعض لوحات التشكيلي حكيم الداوودي

أحمد محمّد أمين
الإبداعُ العراقي في أيّ صعيد كان منغمسٌ حتى الرقبة في كشف المستور واجتراع رحيق الحزن، فليس فوق الأرض من شعب اكتظ تأريخه بالإحن والمحن، وامتُهنت أدميته طوالَ الحقب سواء من قبل حكامه أوغزاة أرضه، فما زال هذا الهاجسُ يقضّ مضاجع مبدعيه الاُلى عُبئتْ أنساغ ابداعهم المتنوعة بظلال الفواجع، وأمامي اللحظة َمجموعةُ لوحات الكاتب والرسام حكيم الداوودي الذي يهربُ من التصريح الى التجريد على الرغم من أنه الآن يرفلُ بالأمن والأمل، سألته: لمَ تتكدّس رسوماتك بهذا الكمّ من السوداوية والإنطوائية، كأنّ خوفاً أو شراً خفيين ما زالا يلاحقان فرشاتك من أزمنة القهر والقمع والضياع؟ يقول بسخرية فاجعة: أيّ عراقي لا يعاني مثلَ معاناتي، فقد ضيّعتُ من عمري شبابَ سنين في غياهب الأسر، وما كان لي شأن بالحرب التي دار سعيرها بين العراق وايران. مئاتٌ من أمثالي أكلت سنوات الحروب نضارة حياتهم، خاضوها مرغمين شباباً وخرجوا منها كهولاً وقد آكل الشيبُ رؤوسهم وفتّ عظامهم الزمنُ الهباء. لذلك تجد كلّ خطّ ولون واشارة في أية لوحة من رسوماتي مضمّخاً باليأس والقتامة. ما عدا استثناءات شحيحة يومضُ فيها الأمل. حين تلج معرضاً لفنان سويدي تقابلك رسومات تعبّر عن حياة موّارة بالفرح وأفضية تشقشقُ فيها الطبيعة بكلّ كائناتها التي تحظى بالأمن. تقابلك صورة مزهرية أو طائرعلى فنن تكاد تسمع غناءه، أو كلب أو قطة أو شجرة أو صخرة تداعبها مياهُ الشاطيء، أو مائدة عامرة بالأطايب يلتمّ حولها الأهلون والصحابُ، الفرحُ مسكون في كلّ لوحة مضمراً كان أو نابضاً، بوسعك سماع صوته. أمّا لوحاتنا فغارقة في المحل والخراب والحرائق والقمع والهزيمة والهرب الى المنافي. كلّ ذلك ضمن دائرة الهلع والقلق والكوابيس والإنتظار في الطوابير. وليس ثمة فراغٌ في حياتنا الا وهو معبأ بالخيبة والإحباط. بيدَ أني أترك خلل اللوحة فسحة َ بياض لعلّ الزمن الآتي يملؤه برؤى تتحققُ فيها مبتغى الإنسان العراقي. يسكتُ حكيم ويبتعد فاتحاً لي المجال لألج عوالمه المعلقة على جدران غرفته والمشرئبة اليّ تسألني استنطاقها.
• وجهٌ يزحمُ بالرعب اخترقته ريشة ٌ أشبهُ بالسهم، خُيّط فاهُ كي لا يتكلم ويفضح سرّه المكتوم. الا أنّ عينيه مخضلتان بكحل الحيرة. ووراء هذا الوجه وجهٌ ثان لرجل قميء، ينتظر دوره لتبيان سرّه أو اعلان معاناته. وربّتما خلفه بشرٌ آخرون تنطوي سرائرهم على ما يضمرون، لكمّ أفواههم. عيونٌ محشّدة ٌ بالهول، خطوطٌ كالنصول تتهيأُ لحزّ الحناجر، كأنّ اللوحة َ برمتها تصطفُ فيها مرايا قلقة، في كلّ مرآة وجهٌ ران عليه الرُوع ينتظر مصيره. لكن حكيماً ترك هنا وهناك أشباه نوافذ لمسارب أمل قابل.
• لوحةٌ تالية عن حيوان صريع، ربّما كان أسداً، مُسح كليّاً ببلاط الشارع، لم يُبقِ فيه موتُه سوى جلدٍ مفتت، وشعر متناثر. والخطوطُ التي جسّدت كيان الحيوان النافق تراوح بين باهت وغامق، لكنّ الجثةَ ظلت كما لو كانت ظلّاً بلا كائن
• اللوحة الثالثة عن امرأة ٍ تشبكُ يديها، لعلّها تمسك بمزهرية، يعلو من وسطها ساقٌ ناحلة، متوّجة بأربع زهرات، أشبهُ بمراواح صغيرة، والى جوارها شمسٌ تحتضر، ثمّ منمنمات كالبراعم تتطلع الى الإنفتاح. حين تنتهي من تأمل اللوحة يُساورك الشكُ، يظنّ بك الظنّ أنها رجلٌ، ولا فرق بين كينونتيهما، كلاهما حريصٌ على رعاية المزهرية، كما لو كانت أملاً يُمسكُ به. خطوط ُحكيم في لوحاته أنفة الذكر شرسة ٌ متمردة ٌعلى قوانينها، طائشة، متماسكة. لا تنصاع لمنطق ولا تلين قناةُ جموحها أمام الخط واللون والإرادة.
• قد تكون اللوحة الرابعة تحكي زمن العراق الملطخ بالإنقلابات والقمع في عهده الملكي والجمهوريات الأربع التي تلته، أقنعة ٌ تغشى الوجوه، غابةُ رايات، كتب عنها حكيم: الأقنعة السوداء على طول الوطن. . ثيمة ُ اللوحة طوفان رعب، أشلاءٌ بلا رؤوس، تأريخٌ نزيف دموي يواكب الزمن بلا توقف.
• خامسة اللوحات تنطوي على دولاب ومقصلة حديد، وحمامة مصلوبة، ثمّ قضبان تصدّعت كُتب تحتها: الهي ؛ كم طيرٍ ذبيح من الألم. وقد موّه حكيمٌ الصورة، فوضع الواقع العراقي في تماهيات الرمز. ولجأ الى طيّ الظاهر العيان تحت طيلسان الحيل الفنية، والتماهيات المُلغزة السائبة
• أمّا بورتريه كلب فصياغة بارعة أسيانة، باللون البنفسجي، يكاد الكلبُ يضيعُ ويذوبُ عما حوله. بدءَاً من قوائمه، كأنه يطلب الى الرائي أن يتريثَ ليغيب الى الأبد. ويُبقى وراءه فضاءً ابيض قابلاً للتأويل ونسج المقولات. في ذي اللوحة تميّز خاص كونها تمتلك ايقاع ابداعها خطاً ولوناً وايحاءً.
• وإذ تنتهي من مشاهدة ما سلف من العوالم حتى تنبري للعين قامةُ نخلة هي العراق دماً ولحماً ونبضاً، ذات جذع متين، عراه شقّ من وسطه طولاً، لكنّ حكيماً اسعفه بثلاث غرزات، ولمّ شعاث الجرح، وجوار النخلة الجريح رجل قُدّ من الغلس يعلوه قمر ٌ حالك كما لو كان رغيفا متفحماً. الرجلُ كامنٌ في مكمنه يرنو الى آثار أقدام سود، اللوحة من السهل الممتع تبدو سادرة في البساطة, الا أنها كثيفة الدلالة، والعمق، تصلح أن تكون حكاية تُحكى.
• والنافذةُ، رسمٌ آخرُ، ربّما تبين ما وراء ذات حكيم نفسه، كونها صِيغت بدم المشاعر، تتخللها كيانات لقوس سائب وطائر مجهول له ذيلٌ وجناحان ومنقار بلون الليل. أمّا بقية جسمه فقطنٌ مندوفٌ، كان يُحلّقُ فوق حاشية النافذة العلوية. ينطلق الى اللامكان. وثمة َ طائرٌ آخرَ يسقطُ بلا هوادة، كما لو طاشته اطلاقة، انه خالصُ البياض، مثلُ البراءةِ، وتحته بيتُ عنكبوت، لعله كان في انتظار قنصه.
• والإحتراقُ: ثيمة ٌ متفردة ٌ عن سواها، عنونها هكذا. ترجُمُ الرائي ببشرممسوسين قميئين يرتدون طيلسانات سوداء، على الرصيف ثلاثة ُ مثلثات، وحواجز، ولصقها جدران واسيجة متشابكة، انّ معالم ذي اللوحة تغور في التجريب والتعقر، وكائناتها ليسوا بشراً، بل دوائر ومستطيلات وزوايا وانحناءات وشباك، لكلّ كائن دور يؤديه دونما صخب أو هدير. وخطوطها تعبّر عن حالات حيواته خيرأً وشرّاً.
• وثمة تفاحة ٌ في وضع غرائبي مشحون بالدهشة، غارقة ٌ في تعبيرية عفوية أشبه بالفاجعة. أفقدها لونُها طعمَها ورائحتها، ولعلّ حكيماً تحايل علينا، ايماءً لا تصريحاً: أن ليس في مُكنة أيّ كان أن يقضم تفاحة ًكلّ صباح بناءً على نصيحة الطبيب، فهي في منطق الفقير أبعد من نجوم الظهر.
• أمّا كرسيه فقد استعار شكله وسيماءه من سواد الفحم، أشدّ بؤساً من كرسي فان كوخ. وأكثر ايغالاً في الرمز، يتميّز بطول قوائمه الهزيلة. يعبّر عن مأساته وعقمه وفقره كما لو كان انساناً يستجدي المارة. • تلك اللوحات المارّة الذكر رُسمت باللون الأسود الذي ينمّ عن الإنهزام والتفجع والخسارة والإحباط والشجن والزوال. انها حيواتٌ جاء بها حكيم من تجاربه مداً وجزراً، فلا يناسبها سوى الخطوط السوداء.
• بينما لوحاته الملوّنة شحيحة، واحداها محض مشهد هباب تجريدي، تتأرجح بين الأزرق، باهتاً وغامقاً، والأصفر والبرتقالي والأحمر، تتجاور فيهاخطوط ُهلامٍ هيول. هي ضربات فرشاة عشوائية بايقاع تجريد باذخ الضراوة والوحشية.
• ثمّ تُطلّ قامة ُزهرة دامية غامقة لها حواشي حادة كالشفرة تقف على ساق ناحلة تحمل بضع ورقات داكنة الخضرة تعصى على التأويل. هي زهرة وحسب جيء بها لتتحدّى الزمن، ولتبقى هدية تهنئة أبدية المرأى.
• وحين نلج خريف دنياه يقابلنا فضاء درامي ينطوي على مخلوقات زهرية صفروحمر يابسة وطرية وأخرى بلون الرماد، لكنّ الغلبة لثلاثة ألوان وحسبُ. كأني به يُصرّح عن قصد: ليس الخريف أقل جمالاً من الفصول الاُخرى، لكن ما يميّزه أنه يسلّم حيواته الى الموت وهي ترتدي أزهى ثيابها
• آخر اللوحات التي عنّ لي مشاهدتها، رُسمت تحت عبارة ل»أبو حيان التوحيدي»: نحنُ نقضي ما علينا، ونجتهدُ فيما لدينا، ويجري الدهر بما لدينا شئنا أو أبينا» فيها نبرات بدائية وتعبيرية وانطباعية وتجريد. بدائية كأنها رُسمت بفرشاة الفرنسي هنري روسو، فثمة ايقاعُ ضربات وحشية كما لو خربشها يراعُ طفل، تعبيرية كونها تنمّ عن ارهاصات تجيش في ذات حكيم نفسه مليئة بالتناقضات وتقلبات المشاعر . تجريدية في انغلاقها وغموض فحواها، يُمكن تفسيرها وفق ذائقة متباينة، وقد لا تُفسر وتبقى عصية المضمون. انطباعية لأنّ وسطها مكتظ ٌ بالضوء واللون، مزدحمٌ بأغاريد طيور سود وبأحجام متفاوتة، ولا يدري أحد أأنها إبان العودِ من سفر طويل، أم أنها بصدد المغادرة. هذه اللوحة تختلف عن مثيلاتها، أنّ تفسير مضمونها وعْرٌ، في حاجة الى اعتماد الفكر والغور المجهري الى متاهاتها.
أخيراً يبدو لي أنّ حكيماً شاعرٌ يتماهى، فبدلاً من رسم أفكاره بالكلمة رسمها بالخط واللون. ضرباته لا تنمّ على أنه هاوٍ يتلهى بالرسم، بل ينطلقُ من وعي وتجربة وخبرة بأدواته. مبدع يُحلّق بجناحي الكلمة والتشكيل، وكلّ مبدع في مجاله يكون خلّاقاً أو لا يكون أيّ شيء. لقد أثبت جدارة في تطويع الخط واللون مساراً وايقاعاً واغناءً لكائنات اللوحة، إنه في حقل الكلمة كاتبٌ بارع، لكنّه في الرسم تجريدي قبل كلّ شيْ يغور في لغموض والمستحيل، انه في رسوماته أنفة الذكر كمنْ يرسم حركات الجِنة والملائكة والجنون والحلم المنغلق على ذاته.

*ناقد وروائي عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة