ادغار ديغا.. فنان الخيول والنساء

محمد بن محفوظ
اشار عدد من الباحثين في تاريخ الفن الحديث الى ما يشبه الفصام بين تجربة الفنان الانطباعي الفرنسي ادغار ديغا وحياته (1917¬1834 (فالموضوعات الاثيرة لديه في الرسم ليست اثيرة لديه في حياته الخاصة، فهو في حياته يميل الى العزلة التي كانت اكثر وضوحاً بعد ان تجاوز الخمسين من عمره، وبعد ان ضعف بصره, تدريجيا، فهو لم يكن يحب النساء والخيول والاطفال والاشياء التي رسمها ببراعة خاصة،حيث عاش حياته عازباً قلقاً، وتغيرت ملامح شخصيته وسلوكه الشخصي بين مرحلة واخرى. فكانت الكآبة تزداد عمقاً كلما ازدادت ايراداته من بيع اعماله،ولم يعد حريصاً على اللمسات السحرية التي كانت لوحاته الاولى تنتهي بها, حينما كان يرسم الخيول وكأنها تتحرك على اللوحة ويرسم المستحمات وكأنه يرصدهن من ثقب ادغار ديغا… فنان الخيول والنساء الباب، فعلى مدى اثنين وعشرين عاماً تحول ديغا من شاب متوثب الى عبقري كهل وحزين، وقبل وفاته بخمس سنوات توقف عن الرسم بعد ان فقد بصره تماماً. ولد في باريس من عائلة غنية, ودرس في كلية الفنون الجميلة على يد الفنان انغر, حيث تأثر به وكانت اعماله الاولى تتناول وجوهاً عائلية وتاريخية، وحينما تخلص من تأثير استاذه بدأ يطور نوعاً من الاشكال الخادعة في لوحاته، ربما بتأثير من اعمال مانيه وويسلر، اضافة الى تأثير الصور الفوتوغرافية التي كانت تحبو في مرحلة التطوير، ثم تأثير الفنون الكلاسيكية الايطالية، حيث زار ايطاليا عدة مرات في شبابه. ارتبط ديغا بعلاقات وثيقة مع مانيه والمجموعة التي التفت حوله كنواة للمدرسة الانطباعية التي اخذت اسمها من لوحة مانيه (انطباع) عن شروق الشمس وكان على علاقة مع كل من رينوار وسيزان ومونيه وسيسلي وبيسارو. سافر ديغا الى نيو اورليانز في الولايات المتحدة لزيارة اقاربه هناك, حيث اقام لمدة عامين (1873¬72 (ولكنه لم يرسم هناك الا لوحات قليلة، وكانت هذه اللوحات مع تلك التي رسمها بعد عودته الى باريس تشكل اتجاهاً نحو الموضوعات المعاصرة, قدمها الى المشاهدين في معرضه الذي اقامه في (الصالون) عام 1870، واشترك باعمال جديدة في المعرض الجماعي للانطباعيين الذي اقيم بعد اربع سنوات. كان ديغا على العكس من بعض جماعة الانطباعيين يعيش حياة ميسورة فلم يكن محتاجاً الى بيع لوحاته او رسم لوحات تجارية تناسب السوق وتبتعد به عن الفن. اعتاد ديغا ان يتردد منذ عام 1875 على مقصف (السفراء) حيث اعتاد الانطباعيون بعدها ان يرسموا مشاهد من الحفلات الغنائية والراقصة ووجوه الغانيات والزبائن، في تلك المقاصف التي دأبوا على ان يتجمعوا فيها في لقاءات مفتوحة، او في زيارات فردية، وفي هذه الفترة استرجع كتابات اميل زولا وموباسان في اعمالهم القصصية والروائية التي تحمل مشاهد من الحياة اليومية في باريس وضواحيها، ولكن هذا النوع من المشاهد يحتاج الى قوة ملاحظة ادغار ديغا… فنان الخيول والنساء وحسن اختيار اللحظة،ومهارة خاصة في رسم الحركة، وتظهر هذه البراعة لدى ديغا في سلاسل من اللوحات عن راقصات الباليه والمستحمات وراكبي خيول السباق، وكان قد بدأ برسم الراقصات في عام 1873 بعد عودته من الولايات المتحدة, ولكنه لم يتوسع في هذا الموضوع واذا كان ديغا قد تأثر في بعض اعماله برائد الانطباعية ادوار مانيه (1883¬32 (الا انه ترك تأثيراً واضحاً على اعمال تولوز لوتريك (1901¬1864.( شيئاً فشيئاً تخلى الاصدقاء القدامى عن ديغا، واعتبروه (فنان حياة الليل)، في اعماله المختلفة من اللوحات الزيتية الى الوان الباستيل التي اعتاد ان يتعامل معها بطريقته الخاصة، والى التماثيل البرونزية, ومع ذلك استطاع ديغا ان يستبق الزمن ويتصور الحياة العاصفة لفنون القرن العشرين، من حيث التحرر من التقليدية ومن المستقبلية معاً، والتحرر من رموز الحداثة ومن بيكاسو نفسه.
قال بيير اوغست رينوار مرة: لو ان ديغا مات في حوالي الخمسين من عمره لظل في الذاكرة كفنان ممتاز، لكنه بعد ميلاده الخمسين اصبح ديغا الحقيقي. كانت اعماله عن الراقصات اللواتي يظهرن كالفراشات، في شبابه، تثير الفرح والنشوة, لكن اعماله الاخيرة كانت تنويعات حزينة على بعض موضوعاته المبكرة، فقد تخلى عن التلميحات عن الحياة الاجتماعية في باريس، وانصب اهتمامه على النساء المستحمات، واللواتي يسرحن شعورهن، وراقصات الباليه بالتنورات القصيرة، بالوان متباينة: كالاصفر والاخضر والازرق، وهن اللواتي كن يظهرن باللونين البني والوردي، فبعد الانسجام الذي كان يعبر عن الفرح بالحياة والمصالحة معها، برز الصراع والتناقض بين الرغبة والواقع، بين الحلم والحقيقة المرة، في سلسلة من اللوحات التي تعزف على هذا الوتر الحزين، وقد اجاب ديغا نفسه عن التساؤلات حول هذا الاختلاف الصارخ بين ألوان الشباب وألوان الشيخوخة في اعماله، فقال انها عربدة الالوان

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة