هل نحتاج إلى تشيّع عراقي

تعد مسألة الحكم في العراق من اعقد المسائل السياسية في تاريخ الشرق الاوسط ليس بسبب التنوع الطائفي والقومي الذي يعيشه هذا البلد كما يتصور اغلب الباحثين والمهتمين والسياسيين، انما بسبب تنافس مكوناته فيما بينها واستعمال القوة في ضبط ايقاع هذا التنافس، وبدوافع نفسية تراكمية ودفع خارجي مخطط، اضافة للثقافة العراقية المبنية على الاهتمام بالماضي على حساب المستقبل.
وبعد 9 نيسان 2003 تغيرت قواعد اللعبة وانتهى مفهوم القوة التي تتحكم بتنافس المكونات الى مفهوم المشاركة اي مشاركة الجميع، الامر الذي فتح الباب لمنافسة علنية لها جانب اعلامي يقوم على الانتقاد والتشكي من الاخر، لكسب الجمهور الانتخابي وتحقيق غايات اخرى، وسياسي يقوم على الصراع والاستقواء بالخارج، وجانب عنفي عبرت عنه عشرات المجاميع المسلحة التي اخذت اسماء وصفات ومبررات مختلفة لقتال الاخوة في الوطن.
ونرى ان الشيعة العرب في العراق الذين تحملوا الجزء الاكبر من ادارة الدولة في العراق وحاولوا ارساء اسس نظام تشاركي يتسع لتمثيل الجميع في مجلس النواب حسب نسبتهم العددية، لم يفلحوا في الاستفادة من الفرصة التاريخية التي منحت للعراق كي يتحول من مرحلة الاحباط والتنافس بين المكونات الى مرحلة الازدهار والتشارك بين المكونات، كما هو الحال في الدول الناجحة والمستقرة.
يشكل الشيعة العرب بين 65 و70 بالمئة من سكان العراق وهي نسبة تؤهلهم لتحمل مسؤولية ادارة هذا البلد ليس بفرض نفوذهم بقوة الجيش والقوات الامنية مثلما فعلت الانظمة التي سبقتهم في حكم العراق، ولا بالحصول على اكبر نسبة من الوظائف والمناصب الرفيعة في الدولة كما يحصل الان، ولا بتشكيل مجموعات مسلحة او الاستقواء بدولة او اكثر من دول الجوار كما يفكر البعض، انما الامر يكمن في سلك طريق مختلف تماما هو ارساء اسس الثقافة العراقية التي حمل شيعة العراق بذورها سواء العراق القومي، او العراق الماركسي، او العراق العراقي، او العراق الاسلامي، وفي كل حالات العراق كان للشيعة العرب الدور الاهم مثلما لهم الدور الاهم في الثقافة العراقية والانتاج المعرفي والثقافي والابداعي، اي ايجاد مفهوم جديد لتشيع عراقي يواكب المرحلة ويقرأ المستقبل.
فلو تفحصنا نسبة الاوربيين الاميركيين في الولايات المتحدة نجد انها لاتزيد على نصف سكانها اذ انها تبلغ نحو 43.8 بالمئة، وفي الوقت نفسه يشكل هذا المكون اساس الهوية والثقافة الاميركية المعاصرة، وهم اساس التقدم التكنولوجي والحضاري الاميركي، فمن بين 43 رئيسا دخل البيت الابيض هناك كاثوليكي واحد هو جون كنيدي والبقية من البروتستانت، طبعا الاستثاء الوحيد من هذه القاعدة هو الرئيس الحالي باراك اوباما المسيحي ذو الجذور الاسلامية والعرق الافريقي.
في روسيا يشكل الروس نسبة 81 بالمئة وهم من يحكم البلاد حتى قبل وبعد الحقبة السوفيتية، اما في تركيا يشكل الاتراك نسبة 70.2 بالمئة لكن عبقريتهم مكنتهم من قيادة مفهوم الثقافة التركية والدولة التركية وصهر المكونات في بوتقة الثقافة التركية بوجهها العلماني او العثماني وبالتالي انتاج دولة واضحة الهدف و الملامح تضم العرب والكرد والاذريين والفرس والقوقاز.
في ايران نجح الفرس في بسط هويتهم الممزوجة بالاسلام الشيعي لتكون عنوانا للثقافة الايرانية برغم ان نسبتهم نحو نصف سكان ايران، والقاعدة تنطبق على وضع الفرس الايرانيين قبل وبعد الثورة الاسلامية، برغم وجود المكونات الاخرى من العرب والكرد والبلوش والاذريين والجماعات الاخرى.
ونعود الى وضع شيعة العراق الذين تقترب نسبتهم من ثلثي سكان العراق وتبنوا في الاغلب بعد نيسان 2003 ثقافة شيعية تتقاسم العراق مع المكونات المنافسة الاخرى وتعتمد الحصول على المناصب العليا في الدولة كمؤشر على حيازة القوة، من دون الالتفات الى انتاج ثقافة عراقية يقودها الشيعة وبالتالي يمكن لهم ان يسهموا في اغتنام الفرصة التاريخية لايجاد هوية عراقية تشاركية تستوعب الجميع وتغتنم فرصة التاييد الدولي الفريد الذي ناله العراق وبالتالي تحول تدريجي في الثقافة السياسية العراقية من تصارع المكونات الى شراكتها حتى لو كان تحت ظل تشيع علماني او تشيع عربي المهم هو تشيع عراقي يتشبع بمفهوم الولاء للدولة العراقية بوجهها الديموقراطي الذي يتشارك به الجميع.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة