لم ولن يكون هويتي

ببركة مناخات الهلوسة والتشرذم المهيمنة على ما يطلق عليه بـ “الشارع العراقي” انطلقت من منصات مواقع التواصل الاجتماعي حملة (علمي هويتي) رداً على ظاهرة طوابير العربات التي خرجت رافعة العلم الايراني في بعض شوارع بغداد والبصرة. مثل هذا الطفح لا يشذ عن منظومة الهموم والاهتمامات الراهنة، والتي يقبع الهم العراقي في قعر قائمتها، فلا العلم الحالي للدولة العراقية يمت بصلة لارث سكان هذا الوطن المنكوب بالرايات المستعارة وارثهم الموغل في الثقافة والفنون والرموز والرقم الطينية العريقة، ولا علم الجمهورية الاسلامية يحتاج الى مثل هذه الاستعراضات للدفاع عنه.
لقد اشرنا في العديد من المقالات والأعمدة، منذ لحظة التغيير الى يومنا هذا، الى موضوع العلم العراقي الحالي، والذي تسلل الينا مع اغتيال المشروع الوطني (الجمهورية الاولى) مع رشاشات بور سعيد المصرية وقطعان الحرس القومي، وقد حل هذا العلم القادم من مصر محل علم الجمهورية الاولى الذي صنعته أنامل ابن العراق البار جواد سليم. لكن جهدنا وباقي الجهود التي بذلت من أجل لفت انتباه “اولي الأمر” الجدد، ذهبت أدراج الرياح، كما حصل مع الوافد الآخر (موطني) والذي خطه يراع شاعر فلسطيني حنيناً لمدينته نابلس. لم يكن أمر بقاء هذه الفلول الرمزية (العلم والنشيد) عابرا وعفوياً، بعد ان كشفت الاحداث عن الطبيعة والغايات المشتركة للقادمين الجدد مع اسلافهم من سدنة النظام المباد. لقد برهنت هذه الفزعات وغيرها؛ عن وجود قوى وجهات تجيد تحريك وتجييش الانفعالات وفتل عنق الاحداث صوب معلفها القديم، ومع حالة التشرذم والتمترس الحالية، تتوفر لها كل شروط ومتطلبات النجاح في غاياتها المتنافرة والمشروع الوطني اليتيم وهويته الغائبة. علم العصر الزيتوني ليس هويتي وحسب، بل هو العلم الذي ارتكبت تحت ظلاله أبشع جريمة ضد خيرة ما انجبه هذا الوطن القديم من زعماء مدنيين وقادة عسكريين وملاكات موهوبة في مختلف الميادين، في (عروس ثوراتهم) عام 1963. أما ذريعة وجود اسم الجلالة وسط ذلك العلم المثقل بأبشع الانتهاكات، والذي يمنع (مهاجري وانصار ما بعد الحداثة) من تغييره، فهي عذر اسوأ من ذنوب الحملة الايمانية وقائدها الذي خط عبارة (الله أكبر) وسط ذلك العلم غير العراقي.
ان انطلاق مثل تلك الحملات والافعال وردودها لن تتوقف، مع مثل هذا الوعي الضحل للرموز والمفاهيم، ومع هذا النوع من الاصطفافات العابرة للهم الوطني والانساني. ستبقى هذه الهرولات والدقلات تستنزفنا من دون توقف، وسيستمر هدر الطاقات والامكانات والجهود في مثل تلك الفزعات الخاوية. على المتنطعين للهم الوطني والثقافي والمعرفي والاعلامي، مواجهة مثل هذا الهدر والضياع في دروب الآخرين، من أجل استرداد الهوية التي تليق بالوطن الذي أهدى البشرية باكورة التشريعات والمدونات والرموز. العلم الذي يليق بهويتنا كسكان لأقدم المستوطنات البشرية والذي شهدت تضاريسها عمليات تخصيب هائلة ومتنوعة بين القوافل الانسانية المختلفة؛ لا تمثله مثل هذه الرايات الآيديولوجية المعبرة عن مقطع زماني عابر ومحدود، وهذا ما أدركته عبقرية جواد سليم في تحفته (علم الجمهورية الاولى) التي اهداها لتطلعات شعبه المشروعة في اللحاق بركب الامم الحرة بعيداً عن هموم “الهويات القاتلة” وفضلاتها السامة، وهذا ما يحتاجه كل المتطلعين حقاً لاسترداد هويتنا الوطنية والانسانية الجامعة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة