الأخبار العاجلة

السينما الخاصة بالمخرج روبرت بريسون

الينسينية والرسم وتجربته كسجين حرب..
مهند الجندي
يمكن القول أن أفلام المخرج روبيرت بريسون الـ13 في 40 عاماً تشكل مجمل الأعمال الأكثر إبداعاً وعبقرية من أي مخرج عرف مسيرة مهنية طويلة في تاريخ السينما. أنه المخرج الأكثر خصوصيةً والأكثر تمسكاً برأيه من بين المخرجين المهمين، بمعنى أنه كان يحاول دائماً أن يقدم ما يريده بدقة دون التنازل لاعتبارات تجارية أو شعبية جماهيرية أو لاعتقادات الناس السائدة حول السينما المتعارف عليها. وعلى الرغم من الآراء التي تقول أن شروعه باستخدام الألوان في أفلامه بدءً من Une Femme douce سنة 1969 حتى آخرها كان أمراً خارجاً عن إرادته، فقد أثبت براعة فائقة في استخدام الألوان.
وُلد المخرج في وسط فرنسا وتلقى تعليمه في باريس، وكان طموحه الأولي أن يصبح رساماً. بدء صناعة الأفلام عبر الفيلم القصير Public Affairs سنة 1934، عمل ساخر يقدم التحية للمخرجين الفرنسيين كلير وفيغو، وتم العثور عليه في الثمانينيات بعد ضياعه. وبعد سنة أو أكثر من سجنه خلال الحرب العالمية الثانية، تقدم له كاهن باريسي بفكرة فيلم حول ترتيب الراهبات في قرية بيثاني، والذي تحول لفيلم Angels of the Streets سنة 1943. وقد صنعه خلال فترة الاحتلال الألماني لفرنسا، وعندها بالتأكيد حل الإخراج محل الرسم في حياته. عدم وجود تاريخ محدد ليوم ميلاده، ولعل ذلك يعد رمزاً لطبيعته المنعزلة، دفع النقاد أن يتعجبوا من قدرة رجل «في الثمانينات» بالتمتع بحيوية الشباب في أسلوب إخراجه لآخر أفلامه ‏Money‏ سنة 1983‏.
ثلاثة عناصر في حياة بريسون كانت الملهم الأساسي وراء أفلامه دون شك: كاثوليكيته، والمتمثلة في نزعة القضاء والقدر الفرنسية والمعروفة باسم الينسينية؛ وسنواته الأولى كرسام؛ وتجربته كسجين حرب. وتطفو هذه التجارب على السطح دوماً من خلال مواضيع حرية الإرادة مقابل القدر الحاضرة في أفلامه، وفي الدقة المتناهية الشديدة والصارمة التي يشكل بها اللقطة، وفي الاستخدام الدائم لفكرة السجن (هناك فيلمان كل معظم أحداثهما تقريباً من داخل السجن).
تدور ثلاثة من أعمال المخرج ضمن سياق كاثوليكي تام: Angels of the Streets إثارة ميتافيزيقة (أسس المعرفة الإنسانية)، وتجري أحداثها في دير (مبنى ديني)، و The Ladies of the Bois de Boulogne سنة 1950 هو مثال نادر لاقتباس رواية رائعة (للكاتب جورج برنانوس) إلى فيلم أكثر روعة، و The Trial of Joan of Arc سنة 1962 الذي تفوق عليه الفيلم الكلاسيكي La Passion de Jeanne d’Arc للمخرج كارل ثيودور دراير سنة 1928. وتظهر الينسينية في الطريقة التي تُمثل بها الشخصيات الرئيسة وكيف يسلمون أنفسهم ببساطة إلى مذاهبهم الدينية. في فيلم Balthazar، على سبيل المثال، الحمار Balthazar وصاحبته ماري (آن ويزميسكي) يقبلان المعاملة السيئة التي يشهدانها ببلادة، على عكس الشرير جيرارد (فرانسوا لافارج) المتسبب بالكثير من الأذى للآخرين. وقد بدى بريسون متشائماً أكثر فأكثر حول الطبيعة البشرية: فيلماه الأخيران يقترحان أنه كان مهتم بالحيوانات والبيئة المحيطة أكثر من الناس، بينما شخصياته في فيلم اعتزاله المذهل Money فماهم إلا ضحايا لمجموعة من الأحداث؛ المال أصل كل الشرور.
واحدة من معالم الينسينية هو ارتياب بريسون الكامل من الدوافع النفسية لأفعال شخصيات أفلامه. فالأفلام ذات السرد التقليدي مهما كان نوعها تصر على الشخصيات أن تملك أسباباً وراء أفعالها. جريمة دون دافع في قصة محقق لن تكون مقبولة. بينما في أفلام بريسون، يتصرف الناس دون سبب واضح وعلى»نقيض شخصيتهم»، وعادة ما يتبعون القدر الذي كُتب لهم. كثيراً ما تبدي الشخصية نية فعل شيء ما، وتفعل عكسها في المشهد الذي يليه. والشخصيات التي تبدو شريرة كلياً تقوم بشيء جيد دون تفسير، ومثال على ذلك هو المساعد المطرود من متجر الكاميرات في فيلم Money الذي يقدم ماله الفساد لفعل خيري. وفي الوقت نفسه، ينبغي التأكيد على أن المخرج لم يحدد مسبقاً النتيجة النهائية لأفلامه؛ فقد كانت عملية اكتشاف بالنسبة له أن يرى ما سيقدم له ممثليه غير المحترفين (كان يشير لهم بالـ»العارضين») بعد أن دربهم لأداء أدوارهم.
ويبرز التأثير الثاني في حياة بريسون، تجربته الأولى كرسام، في صرامة تركيبه للمشاهد. ‏الرسام عليه أن يقرر ما سيضع في لوحته؛ أمام المخرج عليه أن يقرر ما سيحذفه من فيلمه. ‏بريسون لا يضع أي شيء دون استخدام؛ وفعلا فهو يذهب لأبعد من ذلك، وكثيراً ما يترك ‏الحرية للمشاهد لفهم ما يحدث خارج إطار الكاميرا. وعليه كثيراً ما نشاهد لقطات للأيدي ‏والأقدام وأيدي الأبواب، وأجزاء أخرى من أجسام بينما يقوم المخرجين الآخرين بعرضها ‏بحجمها الكامل. كما تتطلب أفلام بريسون تركيزاً كاملاً من المشاهد، وكنت أشعر أحياناً ‏بصعوبة في التنفس حرفياً بعد مشاهدتي واحد منها بسبب درجة التركيز المطلوبة. فيلم ‏Balthazar مثلاً غني بالتفاصيل والأحداث لدرجة يسهل السهو عن حبكات ‏فرعية خلال المشاهدة الأول للفيلم مثل موت الصبي والخصام القانوني المطول حول قطعة ‏الأرض. وهذا يفسر سبب السرعة الفائقة في سرد الكثير من أفلام بريسون (استثناء واحد هو ‏العمل التأملي ‏Four Nights of a Dreamer‏ سنة 1971، حيث لا يحدث شيء تقريباً؛ ‏والمثير للاهتمام أن الشخصية الرئيسة هو رسام). وإذا تم إعادة تقديم فيلم ‏Money‏ كإثارة ‏هوليوودية، ستكون مدته ضعف الأصلية وسيسهب في طول المقطع الأخير العنيف والدموي ‏والذي كان بريسون قد أشار له بإيحاء موجز فقط. ورغم أن معدل طول أفلامه لا يزيد عن ‏‏90 دقيقة، ومع ذلك يمكن للمشاهد أن يفاجئ من كم الأحداث في هذا الوقت القصير. ‏
A Man Escaped سنة 1956 و The Trial of Joan of Arcهما الفيلمين الذي تدور أحداثهما في السجن، وكثيراً ما يستخدم بريسون السجن كاستعارة للحبس الروحي أو حتى التحرر الروحي. ومثال كلاسيكي على ذلك في فيلم Pickpocket سنة 1959، حيث يجد مايكل (مارتن لاسال) الخلاص من سجله الجنائي بأن يُلقى القبض عليه عمداً، وفي المشهد الأخير الشهير يخبر جيني (ماريكا غرين) من داخل زنزانته “كان علي أن أسلك طريقاً غريباً كي أصل إليكِ”.
واحدة من معالم أسلوب بريسون تكمن في نظرته تجاه الممثلين، أو «عارضيه». بدءً من فيلم Diary of a Country Priest راح المخرج يستخدم ممثلين غير محترفين، ويُقال أيضاً أنه استاء من قيام اثنين من ممثليه باحتراف التمثيل بعد ذلك، وهما (آن ويزميسكي من Balthazar ودومينيك ساندا من Une Femme douce). ممثل واحد فقط ظهر في اثنين من أفلامه وهو (جون كلود غولبيرت في Balthazar‏ ‏و Mouchette‎سنة 1967). لم يكن اختيار ممثليه مبني على قدراتهم بل على شكلهم، وغالباً للقسوة الشديدة في تعبير وجوههم مثل شخصية كيور (كلاود لايدو) أو فيلم Pickpocket‎. كما قام بتدريبهم للتخلص من آثار تمثيلهم المسرحي والتحدث بإلقاء سريع ورتيب. والنتيجة أن هذا الأسلوب لا يصب اهتمام الجمهور على مظهر الشخصية بل على أساس وجوده وروحه. استخدم بريسون في فيلميه الأولين ممثلين محترفين، «نجوم»، وعلى الرغم من تميز الفيلمين، كمقدمة لمواضيع أفلامه اللاحقة، كان من الممكن أن يتميزا أكثر لو استخدم فيهما ما أطلق عليه بالـ»عارضين».
لا يوجد اجماع من النقاد على أفضل أفلام بريسون، فيلم Mouchette‎ جاء بين أفضل 20 فيلم في اقتراع النقاد المشهور الصادر عن معهد Sight and Sound سنة 1972، لكن في سنة 1992، لم يحصل الفيلم على أي صوت من بين أكثر من 200 ناقداً صوتوا لأفلامهم الـ10 المفضلة. الفيلم الأبرز له في تلك السنة كانPickpocket ‎ بستة أصوات، ليكن بين أفضل 40 فيلماً، يليهBalthazar ‎ بأربعة أصوات، و L’Argent‎بثلاثة أصوات. الناقد الفرنسي أندريه بازان الذي توفي قبل مشاهدة معظم أفلام بريسون، فضّل فيلم Journal‎ في مقالة وصفها مترجمه الإنجليزي بأنها «المقالة النقدية الأمثل على الإطلاق».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة