الأخبار العاجلة

الهدوء العاصف قبل زحمة الصيف

كارولين كرمي
فيلم (قبل زحمة الصيف) تقع أحداثه في قرية بالساحل الشمالي، قبل زحمة الصيف، ولا يمكن اعتبار الاسم مجرد تعبير عن زمن الفيلم، فحين يتعلق الأمـر بـمحمـد خان يصبح للاسم معنى أعمق، ففي سينما محمد خان يصبح للمكان والزمان دور في الفيلم وكأن القرية بطل من أبطاله وزمن قبل زحمة الصيـف تحديـدًا يلعب دور أكثر من مجرد اختيـار عشوائـي من قبـل المخـرج.
يركز الفيلم على خمسة شخصيات رئيسية، كلهم حدث وأن تجمعوا في وقت واحد في قرية ساحلية قبل زحمة الصيف، كل منهم معبأ بمشاكل قاهرية جاء هربًا منها، أو معبأ بفراغ جاء بحثًا عما يملأه وكلمة «قاهرية» من محافظة القاهرة، فعلى الرغم من أن أحداث الفيلم تقع في الساحل الشمالي إلا أن جو الفيلم قاهري بحت، وهو شيء منطقي نظرًا لأن محافظة القاهرة هي عشق المخرج محمد خان.
(هالة سري) امرأة مطلقة، أم لطفلين، مثيرة جدًا، جاءت للقرية وحيدة لتقابل حبيبها «هشام» الممثل الثانوي الذي تقيم معه علاقة غير شرعية.
هشام: في الرابعة والأربعون مـن عمـره، لم يحقق أي نجاح في عالم التمثيـل، جـاء القريـة بنـاءً علـى إلحـاح مـن «هالـة».
دكتور يحيى: دكتور ومدير مستشفى في نفس الوقت، لديه طبيعة متلصصة، جاء القرية هربًا من قضية قد تتسبب بالزج به في السجن.
ماجدة: زوجة الدكتور يحيى، سيدة مجتمع من عائلة غنية، جاءت القرية في محاولة للتخلص من توترها نظرًا لزواجها المهدد وزوجها نفسه الذي يعاني من الخطر.
جمعة الجنايني: يعمل على خدمة سكان القرية بدلًا من أخيه الغائب بسبب زواجه حديثًا، مبتسم دائمًا على الرغم من فقره، خدوم ولكنه مزعج أحيانًا كثيرة.
«الجنس»
باعتباره محرك أساسي للأحداث: يمكننا قراءة الفيلم من منظور جنسي وباعتبار حقيقة أن الجنس يؤثر في أفعال البشر مباشرة، فخلال الفيلم إما يرفضه البعض، أو يقبله البعض أو يشتاق إليه البعض دون الوصول إليه. فهالة سري تحتاج للجنس وأصر المخرج على إخبارنا أن هالة ليست فقط في حاجة إلى الحب ولكنها في حاجة إلى رجل بكل ما في كلمة رجل من معنى شعوري وجسماني أيضًا، ولكي تحصل هالة على هذه العلاقة تخلت عن «بريستيجها» كأم مطلقة ولها وضعها الاجتماعي، بل وتخلت عن كرامتها أيضًا، فنجدها تلح إلحاحًا شديدًا على هشام أن يمكث معها للصباح على الرغم من صياحه في وجهها وإخبارها بوضوح أنه ليس زوجها وليس لها أن تتحكم فيه.
في الفيلم هناك مشهدان جنس، الأول يجمع هشام بهالة في الواقع، والثاني يجمع هالة وجمعة ولكن في خيال جمعة فقط، ويمكن بسهولة إدراك أن المشهد في خيال جمعة أكثر التهابًا من المشهد الواقعي، هو يرى في نفسه رجل قادر على إشباع غرائز هالة أكثر من ذلك الممثل الثانوي، هو في تلك اللحظات ينسى تمامًا كونه جنايني فقير وفي خياله تتساوى الرؤوس بل وتتفوق على اختيار هالة، فنجده يقبلها بقوة بالرغم من أنه على الأرجح لم يقبل أي أنثى في حياته من قبل.
الأبواب والشبابيك المفتوحة والمغلقة ورمزيتها
تظهر الأبواب والشبابيك المغلقة والمفتوحة في الفيلم بشكل يصعب عليك تجاهله، ففي الفيلم ترمز الأبواب والشبابيك المفتوحة والمغلقة للحياة بشكل عام، وحياة شخصيات الفيلم بشكل خاص، فالحياة ما هي إلا أبواب تفتح وتغلق بعشوائية شديدة.
هشام يدخل على هالة سري الشاليه في بداية الفيلم أساسًا لأنه وجد الباب مفتوحًا، وكأن مشاعرها وحياتها متاحة لكل الناس، الأمر الذي سينتهي أخر الفيلم، حين تغلق الباب في وجهه وللأبد كأنها ملت بعثرته لكرامتها في أي حديث خارج حدود السرير. وفي علاقة دكتور يحيى بزوجته ماجدة تعبر الأبواب دائمًا عن طول المسافة بينهما، فهي دائمًا ما ترفضه وتغلق الأبواب في وجهه وتخبره مرارًا وتكرارًا أن الكيل فاض بها وأنها عازمة على الرحيل، أيضًا إغلاق هالة سري للشباك في وجه جمعة الجنايني تارة والباب تارة أخرى يعبر عن رفضها المستتر له فعلى الرغم من أن جمعة جنايني خدوم ولكنه مزعج أحيان كثيرة ويزعجها إلحاحه ونظراته الوقحة. إذًا فالأبواب المغلقة أو المفتوحة تعبر في الفيلم عن عدة أشياء وظفها محمد خان بذكاء شديد كالعادة.
نهاية جميلة كالعادة
لا أتذكر أن شاهدت فيلم لمحمد خان ولم أخرج منتشية من جمال النهاية، أتذكر على وجه الخصوص نهاية فيلم «الحريف» والجملة الأخيرة «خلاص يا بكر.. زمن اللعب راح»، وفيلم «أحلام هند وكاميليا» ومشهد إيجاد الطفلة أحلام وكأنها أحلامهم الضائعة. هنا أيضًا في فيلم «قبل زحمة الصيف» يسطر محمد خان نهاية من أجمل ما يكون، فيها تأتي زحمة الصيف وتموت المشاكل أو تسكن، فودعت هالة صديقها المستغل للأبد، وسقطت قضية دكتور يحيى، حتى ماجدة هدأت ثورتها ولم تترك زوجها أو تهاجر لابنها كما هددته، نعلم أن هشام وجد نفسه في عالم النجومية وجمعة ترك القرية أخيرًا وسافر إلى مصر. وكانت هذه طريقة المخرج لإخبارنا أنه على الرغم من التوتر الموجود بوضوح في حياة شخصيات الفيلم وحياتنا كمشاهدين جميعًا ستأتي حتمًا.. يومًا ما.. زحمة الصيف لتملأ فراغات حياتنا كما ملأت فراغ القرية في الفيلم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة