إشكالية الاغتراب في الفكر والأدب

إيمان العامري
استطاعت ظاهرة الاغتراب أن تفرض نفسها بقوة على شتى الميادين الفلسفية والنفسية والاجتماعية والسياسية، وظهرت كموضوع أساسي في كثير من الأعمال الأدبية والفنية، وتوغلت في عمق المجتمعات الإنسانية فعرفت كظاهرة ملازمة للإنسان في جميع العصور والمجتمعات «وقد لا نبالغ إذا قلنا بأنها قديمة قدم الإنسان نفسه، فمنذ اللحظات الأولى لتكوّن التجمعات السكانية، صاحبتها مجموعة من الأزمات والمشكلات نتج عنها بعض مظاهر الاغتراب التي عاني منها الفرد، وزادت حدتها في العصر الحديث، الذي أصبح عصر الاغتراب بامتياز.
في الادب الغربي
بعد الحربين العالميين زاد تمزق الانسان واغترابه واتضح ذلك في أعمال «همنجواي» (وداعا للسلاح) و (لمن تقرع الأجراس) ، و(عبر النهر) ، (نمو الأشجار)، كما يتضح في رواية» ألبيرتومورافيا «( امرأتان) ورواية» اريك ماريا ريمارك» (للحب وقت وللموت وقت) ، وقد يكون صحيحا إلى حد كبير من أن القرنين الأخيرين في حياة الإنسان الأوربي –على الأقل- قد حملا معها نظرة جديدة من الإنسان إلى نفسه وإلى الله وإلى المجتمع البشري، وكان من الضروري أن تحدث هذه النظرة المختلفة، نتيجة لهذه المتغيرات الكبيرة، التي واكبت ثورته المتعددة في الصناعة والاجتماع والعقل،وقد كان الشاعر يقف من ذلك موقف المؤيد حينا والمعارض في معظم الأحيان، فيمجد التغير السياسي والاجتماعي أحيانا، أو ينصرف إلى تأمل ذاته واستكشاف عالمهما الداخلي المستتر في اللاشعور أحيانا أخرى، وهكذا ظهرت (الرومانتكية) التي كانت تمثل إحدى أهم نقاط التحول في تاريخ العقل الأوربي، والتي قيل أنها تعبير عن خوف من الحاضر بطريقة تكاد تكون مَرضيّة، فضلا عن محاولتها الذائبة للهروب من هذا الحاضر إلى الماضي ، والتي كانت وليدة العجز الذي استشعره الفرد عندما أراد التوفيق بين قدراته الذاتية وبين ما يصبوا إليه ويأمل فيه، فقد عبر الرومانسيون في أشعارهم عن الألم و التمزق والمعاناة وكل مظاهر الشقاء الانساني بصورة لا تخلو من الثورة و التمرد، فنشر لامرتين كتابه (تأملات شعرية) وكانت قصائده الحزينة تعالج الطبيعة والحب والوحدة والتمزق، وتحدث ألفريـد دي موسيه في قصائده المكتئبة عن الحب والمعاناة والوحدة،ووصف في قصائده بعنوان «الأمسيات» (1835، 1837) حالة الاغتراب والوحشة التي عانها بفقد حبيبته، كما برزت ظاهرة الاغتراب عند الشاعر الفرنسي بودلير في ديوانه (أزهار الشر) سنة 1857، حين سيطرت عليه فكرة المدينة المرعبة، و كانت سببا في تعميق الاحساس بالاغتراب والوحدة والضياع ؛ فمدينة العصر الحديث في نظره وخاصة في قصائده المعنونة في الديوان السابق، ليست سوى عالم ميت ،مقرف يبعث على القلق والشعور باليأس والإحساس بالغربة والعزلة، وباريس الحديثة –على عهد «بودلير»- لا تعدو أن تكون عبارة عن كتل حجرية ، مكعبة أو مربعة ذات قيعان عكرة، تبعث على الرعب والقرف حيث يقول :
حيث يمكن تأمل المدينة بكاملها،سعتها
مستشفى، ماخور، مطهر ، جحيم ، معتقل

في الادب العربي قديما
ولم يخلو الأدب العربي كغيره من الآداب العالمية من مظاهر القلق والخوف والوحدة والغربة، فظاهرة الاغتراب تضرب بجذورها في عمق المجتمع الإنساني، إلا أن عصور الحضارة الإنسانية، لم تكن تعاني معاناة عميقة من حالات اغترابية قاسية، بشتى مفاهيم الاغتراب، ولكن العصر الحالي، ربما يُعد عصر الاغتراب بامتياز بتنوع مفاهيمه وحالاته التي توغلت في عمق المجتمع وفتكت به . ولعل من الحقائق المؤكدة أن جل الأدب العربي ومنه الشعر قام على غرض إنساني واسع ممتد، وهو التلاؤم بين الأديب وواقعه الروحي والسياسي والاجتماعي أو تنافرهما، ويلي ذلك شعور بالانتماء الذي يعقبه الرضا أو الغربة التي يعقبها الحنين والفقد، ففكرة الغربة والتمرد، والإحساس بالتمزق والضياع لم تكن بعيدة عن فكرة الإنسان ومشاعره على مر العصور، ويبدو أن الاغتراب كان قدر الشعراء العرب القدامى، فقد تغرب (امرؤ ألقيس) حين أنكر عليه أبوه قول الشعر وطرده من القبيلة، بعد أن تشبب بإحدى نسائه، كما عانى «طرفة بن العبد» من الاغتراب حين خرج على مجتمعه وتمرد على قيم القبيلة فتحامته العشيرة، وكذلك تخلت القبيلة عن «امرئ القيس» ليعيش كلا الشاعرين تجربة مريرة في الغربة والانفصال.
يقول امرؤ القيس :
فلو أني كرهت بدار قومي لقلت الموت حقا لا خلودا
ولكن هلكت بأرض قوم بعيد عن دياركم بعيدا
بأرض الروم لا نسب قريب ولاشاق فيسند أو يعودا

في الادب العربي الحديث
وفي العصر الحديث انتشرت ظاهرة الاغتراب بصورة ملفتة للنظر فـي معظم الآداب العالمية –إن لم نقل كلها وكان لاحتكاك الأدباء العرب بالآداب الأوربية أثره الواضح، حيث تجلى ذلك في كتاباتهم الأدبية، وخاصة أدباء المهجر الذين تركوا بصمات واضحة في الأدب العربي في تناولهم لقضية الاغتراب فتأثروا إلى حد كبير بالأدب الرومانسي الأمريكي، وخاصة ديوان (أوراق العشب ) لوتيمان، وفي الشعر العربي المعاصر نجد أيضا تأثرا واضحا بشعر إليوت، حين نتأمل ما أشاعه من أفكار التشاؤم والسأم، واغتراب الذات المتفردة، خاصة في قصيدتيه المشهورتين :الأرض الخراب، والرجال الجوف، وهذا لا يعني تأثر شعرائنا تأثرا مطلقا بالغرب في هذه الظاهرة، ذلك أن الوعي المغترب لدى الشاعر العربي المعاصر نابع من محنة ذاتية أيضا «فالاغتراب العربي، اغتراب قهري فرضه واقع رجعي، ديكتاتوري، لا يجد فيه الانسان هناءه ولا تحقيقا لطموحاته» إنها التعاسة التي يجسدها شعراؤنا في أشعارهم، ويجسدها «صالح عبد الصبور» في قوله :
ورفـــاقـي طيــبــون
ربما لا يملك الواحد منهم حشوة فم
ويمرون على الدنيا خفافا كالنسيم
وعلى كاهلهم عبء كبير وفريــد
عبء أن يولد في العتمة مصباح وحيد
-فغياب القيم الروحية، وسيطرة قيم المدينة ذات المنفعة التبادلية، عمق لدى الشاعر الاحساس بالإحباط ، وزرع في نفسه بذور الشك والقلق،فبرزت فكرة العبث الوجودي وعبر الشعراء عن اغترابهم الوجودي، بقضايا مختلفة، فأصبح الحب باعثا من بواعث القلق والاغتراب، بعد أن فقد نقاءه وطهارته، وحاد عن معناه الحقيقي، لكونه ينطلق من واقع محكوم بعلاقات ثقافية خاطئة وغير مستقرة، وهو ما عمق من غربة الشاعر وفقدانه لذاته وإنسانيته، وانتشار مظاهر الخلاعة والمجون التي لم تقتصر عند (السياب) على الأحياء فقط بل تعدتهم إلى الأموات، فهاهي مقبرة «أم البروم» التي أصبحت جزء من المدينة، لم تنج من عبثها وقهقهة بغاياها وسكاراها.
يقول السياب :
وأوقـدت المدينة نارها في ظلة المـوت
تقلع أعين الأموات ، ثم تدس في الحـفـر
بذور شقائق النعمان، تزرع حبـة الصمت
لتثمر بالرنين من النقود، وضجة السفـر
وقهقهـة البغايا والسكارى في ملاهيهـا
إضافة إلى الشعر كان للرواية أيضا نصيب واسع في مناقشة هذه الظاهرة، فلم تخل الأعمال الروائية الصادرة منذ الخمسينات وحتى اليوم من تصويرات حادة لأزمة الشخصية الاغترابية بنماذجها المختلفة، كما نراه في عدد من روايات نجيب محفوظ، وعبد الرحمان، وجبرا إبراهيم جبرا، كما نلاحظ هذه الظاهرة بوضوح في رواية (أنت مند اليوم) لتيسير سبول ، (المتميز) محمد عبد، (السؤال) و(الخماسين) لغالب هلسا، (ستة أيام) و (عودة الطائرة إلى البحر)، و(الرحيل بين القوس والوتر) لحليم بركات، (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، (تلك الرائحة) لصنع الله ابراهيم (الضوء الهارب) محمد برادة، (وقف)، (الطريق إلى بلحارت)، جمال ناجي، (نعاس من فارس) لأحمد الزغبي، (عو) لابراهيم نصر الله، (جمعة الفقاري)، (يوميات نكرة) لمؤنس الرزاز.
كما ظهرت روايات معاصرة، عالجت ظاهرة اغتراب المثقفين بشكل واسع، وهذا ما يظهر في روايات جبرا إبراهيم جبرا، فالمجتمع المدروس في روايته (البحث عن وليد مسعود) مجتمع (أنتلجينسيا) مجتمع مثقفين أو ما يمكن أن ندعوه مجتمع نخبة، وكذلك في روايته (السفينة) إذ يدين الواقع العاجز، المتمثل في طبقة مثقفة من البرجوازيين، وجعل من ثقافة هذه النخبة ، ثقافة عاجزة في وهمها وزيفها، و رواية « الحب في المنفى» لبهاء طاهر» تعالج هذه الظاهرة أيضا وتدور أحداثها في المنفى، من بداية حب الراوي – وهو صحفي- إلى نهايته في المنفى، وهي تعالج مجموعة من القضايا العامة، ندرك معظمها من خلال العلاقات بين شخصيات الرواية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة