حياة حقيقية متعددة الأبعاد داخل كادر اللوحة

أعمال الفنان اليمني زكي اليافعي:
بسمة شيخو
اللوحات الواقعية عادة، أو ربما في الفترة التي تلت ظهور العديد من المدارس الفنيةّ وتنوّع أساليب التعبير، تكون صاحبة وظيفة مهمّة تتجسّد باستعراض قدرات الفنان ومهارته في التقاط التفاصيل. لكن هذه الوظيفة تتلاشى أحياناً ويضيق حيزها حين تكون تلك الأعمال الواقعية بمثابة أرشفة توثق لتاريخ مدينة أو بلد بأكمله، تصوّر حياة سكّانه، عمارته وطبيعته في ظلّ غياب الإمكانيات القادرة على فعل ذلك. هنا يصبح الفن والواقعي بشكلٍ خاص ضرورةً لا تَرفاً، كما في لوحات الفنان اليمني زكي اليافعي٭، الذي يعتبر أنه يجب على كل فنان أن ينتج لوحات تحاكي واقعه لكي تعيش عبر الأزمان وتخلّده، فتراه يرسم اليمن، يحتفظ بأسواقه القديمة على جدران لوحاته، يحمي المدن من الضياع ومن الدمار، وستظل سالمةً عند اليافعي حيث سماء اليمن مازالت زرقاء، ومآذنه وأبنيته منتصبة.
الواقعية سمة ملازمة لأغلبية الفنانين اليمنيين وذاك يعكس ضعف الاهتمام بالفن بشكلٍ عام وعدم مواكبته أكاديميّاً لحركات التطوّر التي تتنازع في ساحات التشكيل، حيث يختار الفنان مواضيعه وشخوصه من الذاكرة البصريّة التي توفره لها بيئته فقط، فيجد نفسه مقيّداً برسم ما يراه، يقول غوستاف كوربيه، أحد رواد المدرسة الواقعية: «لا أستطيع أن أرسم ملاكاً لأنه لم يسبق لي أن شاهدته».
عن ذلك يقول اليافعي: «إن الرسام اليمني ينقصه الكثير من الإمكانيات المطلوب وجودها لتزيد من تطور الفنان، ودور وزارة الثقافة سلبي، فمن المفترض تنظيم معارض ومسابقات لدعم الفنانين من خلال اقتناء الأعمال الفنية وتوزيعها لتزين الأماكن العامة مثل المطارات والوزارات وغيرها… المعاناة الأبرز هي نقص ثقافة قراءة العمل من الجمهور، الفن يحتاج جمهوراً، وجمهورنا للأسف لم يصل إلى تقدير العمل الفني وإعطائه ما يستحق؛ الصعوبات كثيرة منها عدم توفير الخدمات والأدوات والمواد لتطوير العمل وكذلك غياب البنية التحتية مثل صالات العرض والجامعات والمعاهد».
في ظلّ الحضور الخجول للفن التشكيلي على الساحة اليمنية نجد أن اليافعي يبرز مواضيعه وشخوصه بقوةٍ، وكأنّ لوحاته مرآة سحريّة تعيدنا بالزمن إلى الوراء، فتجد الجدّ يحمل حفيده على ظهره ويجول في الشوارع، شيوخٌ آخرون في لوحاتٍ كثيرة يتسولون، العجائز أقل حضوراً فالنساء غائباتٌ بشكلٍ ملحوظ عن معظم الأعمال. هناك لوحة بورتريه لامرأة تخاطبنا، كلّ ما فيها ينطق، شفاهها، تجاعيدها وعيناها الذابلتان، ربما تشتكي من حزن اليمن ربما تطالب بقليلٍ من الفرح له أو على الأقل لجيرانها من سكان اللوحات الذين تلحظ أكوام الهموم تتكدّس على أكتافهم. كيف لا، وعنوان إحدى اللوحات هو «معاناة»، نتابعهم وهم يمشون، يأكلون، يحملون أولادهم أو يجلسون في المسجد. هذا المشهد متكرّر في عدد من اللوحات، مرةً يظهر الشيخ وهو متكئ على عمود يباريه بالقِدم، كلاهما يتكئان على الآخر، وبحضنه مصحفٌ كبير مرسوم الكلمات بدقةٍ عالية حتى تكاد تكون مقروءة، وكذا نقوش السجاد واضحة وممتدة في منظورٍ يمسك شيوخاً كثراً في ذات الفناء. في لوحة أخرى الشيخ يعلّم الطفل القرآن، هي دورة الحياة هناك، هي استمرارية تفكير وإيمان أهل اليمن. و يرى اليافعي أن أجمل لوحة له كانت لرجل مسنّ يقرأ المصحف، وقد كتبت الآيات بحسب ما هي موجودة وحققت انتشاراً كبيراً.
شخصياً لم أزر اليمن سابقاً، لم أمشِ بجوار أبنية بثلاثة أو أربعة طوابق، بنيّة أو رماديّة مزخرفة بالأبيض، بنوافذ ضيقة، بطراز معماريّ لا تخطئه العين، تتكدس في الشوارع وتصطف على الجبال وكأن يوم عرفة لديها لا ينتهي، الأبواب الخشبيّة القديمة، الأحجار المتآكلة، بسطات الأسواق وتفاصيل البضائع. مثل هذه الأماكن كانت موثقّةً في بعض صور فوتوغرافيّة قديمة لا أمان لها، سرعان ما تتلف أو تتمزق ونُضيع حينها حيّاً كاملاً أو سوقاً مكتظّاً بالبشر والحجر والحيوانات أيضاً. لكن اليافعي قد أنقذهم ورسمهم كائناتٍ حيّة تعيش في لوحاته، تأمّلُ عالمه يعني زيارة حقيقيّة لليمن قبل سنوات بعيدة، فالموروث اليمني صاحب بصمة واضحة، بل هي البصمة الوحيدة في الأعمال. يقول اليافعي: «لست مركزاً على لوحات من الماضي وإنما في حالة العولمة والتشابه الحاصل رجعت إلى الهوية والأصالة والتاريخ والطبيعة والجمال الإنساني الذي أخضع له ببساطة، لأكون اسماً وتاريخاً يفخر به اليمن».
الأشخاص في لوحات اليافعي أقل ما يقال عنهم أنهم صورة اليمني التقليدي، تعابير وجوههم، لون بشرتهم، ثيابهم أيضاً فهي مدروسة ومرسومة بدقّة، الجنبية المعلّقة ضمن العسيب (غمد الجنبية باللهجة اليمنية ويكون خشبيّاً مزخرفاً ومطعماً بالفضة أو الذهب والأحجار الكريمة كالعقيق اليماني)، العمامة البيضاء، والشالات الملوّنة، البنطال الأبيض تحت الجلباب. كل هذه التفاصيل تجعل من أعمال اليافعي وثائق حديثة لجانب من حياة اليمن، لذا تجده يختار مواضيعه بعناية فحسب قوله «إن الفكرة هي أهم ما يتوجب على الفنان أن يختاره قبل البدء في الرسم فهي التي سيتم الحكم عليها من قبل المتلقي». وبالإضافة للأفكار والمواضيع نجد أن لوحات اليافعي رُسمت بعاطفة واضحة تُرى وتُحس مع كلّ عمل، وذاك لا يعني أنها تخلو من البراعة في التنفيذ طبعاً، فكما ذكر أوغست رودان: «إن الفن ليس إلا شعوراً أو عاطفة، ولكن بدون علم الأحجام والنسب والألوان، وبدون البراعة اليدوية، تبقى العاطفة مهما كانت قوتها مغلولة أو مشلولة».
الأعمال مشغولة بإتقانٍ شديد، لا خطوط قويّة تحيط بالعناصر والأشخاص وتعكّر صفو اللون، كل عنصر يُرسم ويلوّن لوحده، الألوان الزيتية هي المستخدمة مع تدرجاتٍ واسعة كما تتطلب المدرسة الواقعية. الضوء والظل واضحان يُكسبان الأشخاص والأماكن تجسيداً ثلاثياً، في بعض اللوحات الجديدة بدأ اليافعي بالتنفيذ عن طريق ألوان الأكريليك مع المحافظة على الأسلوب نفسه في التلوين، والذي يكون بتعبئة لونيّة لمساحات صغيرة متجاورة لتمتد بعدها صانعةً التدرجات المرادة.
أعمال اليافعي حياة حقيقية ضمن كادر، ورسمُها حياةٌ له وفرحٌ واسع: «الرسم يعني لي الحياة طبعاً، اليوم الذي أرسم فيه أفرغ الطاقة إلى المساحة البيضاء أشعر بسعادة بالغة وأحس بكل الجمال الذي حولي لأنه عبارة عن طاقة بداخل الفنان».

٭ درس زكي اليافعي الطيران، لكنّه لم يجد نفسه فيه، انطلاقته الحقيقية كانت عام 2004، نال العديد من الجوائز المحليّة منها كجائزة رئاسة الجمهورية ووزارة السياحة، وعربية أيضاً، شارك في العديد من المعارض وورشات العمل داخل اليمن وخارجه في السعودية، المغرب، فلسطين، واليافعي فنان غزير الإنتاج له مئات من اللوحات.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة